ردفان والذئاب الحمر.. الحشود الجنوبية ومعادلة الكرامة السياسية

كتب: عبدالله اليزيدي
لم تكن ردفان يومًا خارج معادلة الصراع السياسي في الجنوب، بل كانت في قلبه. فمن جبالها انطلقت شرارات الرفض، ومن تاريخها تشكّلت رمزية “الذئاب الحمر” كعنوان للمواجهة حين تُمسّ الكرامة وتُصادر الحقوق. ما شهدته الساحة الجنوبية من حشود جماهيرية قادمة من مختلف المحافظات لم يكن حدثًا عابرًا، بل تعبيرًا سياسيًا صريحًا عن حالة احتقان عام، ورسالة موجهة للداخل والخارج على حد سواء.
الحشود الجنوبية لم تنزل من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وأمنية، وعجز واضح في معالجة قضايا الناس، وفي مقدمتها الكرامة والعدالة والشراكة الحقيقية. لقد أكدت هذه الجماهير أن الجنوب لم يعد يقبل بإدارة الأزمات، ولا بسياسات التهميش، ولا بتحويل التضحيات إلى أوراق تفاوض مؤقتة.
وفي خضم هذه المواجهة، سُفكت دماء، وسقط شهداء، وسُجّل جرحى وأسرى، لتعود الأسئلة الثقيلة إلى الواجهة: هل يمكن تجاوز هذه التضحيات؟ وهل ستُختزل دماء الشهداء في بيانات سياسية باردة؟
الإجابة السياسية الواضحة هي أن أي مسار لا يعترف بهذه التضحيات ولا يترجمها إلى مكاسب حقيقية على الأرض، هو مسار محكوم بالفشل.
إن ما جرى في ردفان يعكس تحولًا في الوعي السياسي الجنوبي؛ من ردود فعل متفرقة إلى فعل جماهيري منظم، يحمل رسالة مفادها أن الكرامة لم تعد شعارًا، بل خطًا أحمر. كما أن وحدة الحشود القادمة من مختلف المحافظات تؤكد أن القضية لم تعد محلية أو مناطقية، بل قضية جنوبية جامعة.
سياسيًا، فإن تجاهل صوت الشارع الجنوبي، أو التقليل من رمزية ردفان والذئاب الحمر، يعني إعادة إنتاج الأزمة بصيغة أكثر تعقيدًا. فالتاريخ يثبت أن الشعوب التي دفعت ثمنًا باهظًا من الدم، لا تعود إلى نقطة الصفر، ولا تقبل أن تذهب تضحياتها سدى.
ردفان اليوم ليست مجرد جغرافيا، بل رسالة سياسية واضحة: الكرامة أساس أي حل، والحقوق لا تُؤجّل إلى ما لا نهاية، ودماء الشهداء ستبقى معيار الحكم على صدق أي مشروع أو تسوية قادمة.