مدرسة الكرامة.. كيف انتصرت “أبين” لصوت الشعب وحرمة الدم الجنوبي

كتب: حبيب باداس
عندما تتبنى السلطة حرية الشعوب والتعبير عن الحقوق كعنوان عريض لممارساتها، فإن موازين القوى تتغير جذرياً، وتميل الكفة لصالح البناء والاستقرار الدائم. هذا ليس مجرد تحليل نظري، بل هو الواقع الملموس الذي جسدته محافظة أبين في الآونة الأخيرة؛ حيث خرج الشعب الجنوبي بصدور عارية، متسلحاً بإرادة صلبة وأحلام مشروعة تمتد جذورها إلى لحظة سلب الهوية في عام 1990. هؤلاء المتظاهرون لم يخرجوا للفوضى، بل خرجوا لتجديد العهد مع الشهداء والجرحى، مؤكدين أن قطار استقلال الدولة واستعادة السيادة لن يتوقف مهما بلغت التضحيات.
لقد قدمت أبين نموذجاً ملهماً ومغايراً تماماً لكل التوقعات السوداوية، فبينما كان المتربصون يراهنون على تكرار “سيناريو شبوة” الدامي، وإغراق المحافظة في وحل الصراعات البينية، تجلت أصالة القيادة التي تدرك أن الأرض لا تُباع، وأن كرامة الإنسان هي الثروة الحقيقية. في أبين، وعت السلطات المحلية والقوى الفاعلة أن المواطن ليس خصماً، بل هو الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني ناجح. لذا، لم تُقابل الحناجر بالرصاص، بل قوبلت بتوفير الحماية الأمنية، وضمان مناخ ديمقراطي سمح للصوت السلمي أن يصل إلى أصقاع الأرض.
إن “مدرسة أبين” في الإدارة السياسية والأمنية أثبتت أن الحكمة كفيلة بتجنيب البلاد والعباد الفتن المهلكة. فعندما تُعطى الأولوية لكرامة المواطن، تذوب التوترات وتتلاشى فجوات الثقة. لقد بدأت المسيرات برقي حضاري وانتهت بسلام منقطع النظير، موصلةً رسالة سياسية واضحة المعالم: “نحن هنا، متمسكون بحقنا، وقيادتنا منا ولنا”. هذا السلوك المسؤول قطع الطريق أمام المتربصين الذين يقتاتون على الصدامات، وأثبت أن وحدة الصف الجنوبي تبدأ من احترام التعددية وحق التعبير.
إن التاريخ لا يحابي أحداً، وهو يفتح صفحاته اليوم ليدون بمداد من نور أسماء أولئك الذين انحازوا لشعوبهم، وحولوا السلطة إلى درع يحمي الأخ والمواطن. وفي المقابل، يلفظ التاريخ كل من استقوى بالغرباء أو الأجندات الدخيلة لقمع إخوته في الدم والمصير. إن الحرية قيمة لا تقبل التجزئة، وما تطمح إليه محافظات الجنوب كافة، وعلى رأسها أبين الأبية، هو بناء نظام مؤسسي يقدس الإنسان ويحترم إرادته قبل أن يحترم بروتوكولات المنصب. إنها لحظة فارقة تؤكد أن استعادة الدولة ليست مجرد شعار، بل هي ممارسة أخلاقية تبدأ من تأمين حق المواطن في قول “لا” و “نعم” دون خوف أو ترهيب.