مقالات وآراء

عن الحروب والتكتلات وعودة القطبية الثنائية الدولية

بقلم/ اللواء علي حسن زكي

لقد أظهرت شواهد الحربين: الأولى الإسرائيلية الأمريكية مع إيران، والثانية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وقبلهنّ ما حدث لقادة حزب الله في جنوب لبنان، أن حروب العصر لم تعد حروبًا تقليدية (جيوش وصواريخ وطيران) وحسب، بل أصبحت أيضًا حروب عقول وتكنولوجيا واختراق وطابور خامس وإحداثيات تسبقها وتهيّئ لها وترافقها.
وهو ما سبق أن تناولناه تفصيلًا في مقالات سابقة عن اختراق حزب الله بحرب التكنولوجيا (أجهزة البيجر)، وسقوط قياداته قتلى في لحظة واحدة وبمجرد ضغطة زر، وما تلاه من صواريخ، وعن حرب إسرائيل وأمريكا مع إيران، وما ألحقته الضربة الأولى بقيادات إيرانية، وشلّ قدراتها القتالية العسكرية والدفاعية، وشبكات الرادار، وقواعد دفاعات الصواريخ الجوية، وبقاء أجوائها مفتوحة للطيران والصواريخ الإسرائيلية، وذلك بفعل اختراق استخباراتي، ليس في إرسال إحداثيات فحسب، بل أيضًا بفعل طابور خامس تم زرعه في الوسط الإيراني، وما رافقه من تسريب أسلحة تم استخدامها من الداخل ضد أهداف عسكرية وأمنية وتدميرها.
وعن حرب أمريكا وإسرائيل الحالية مع إيران، التي كان فيها الاختراق والطابور الخامس حاضرًا بلا ريب، لا سيما وقد انتحر ضابط إيراني بعد أن انكشف أنه من أرسل إحداثية اجتماع المرشد ومن كانوا مجتمعين معه من خبراء وعلماء ومستشارين، وتم استهدافهم واغتيالهم، على نحو ما تم تداوله حينها.
إن اللافت والجديد في الحرب الحالية، علاوة على ما تم ذكره، أنها لم تعد حرب جيوش وصواريخ وتكنولوجيا واختراق استخباراتي وطابور خامس، بل أصبحت أيضًا حربًا تجارية واقتصادية، وحرب طاقة ومضائق ومياه؛ حيث إن نتائجها ومآلاتها متوقفة على من يسيطر على مضيق هرمز ويتحكم به، وعلى مدى استمرار تدفق نفط وغاز دول الخليج عبره إلى الأسواق العالمية، بحسب ما تم تناقله بهذا الخصوص. وفي السياق، ما تم تناقله أيضًا عن استهداف “حقل بارس” في قطر، وهو مشترك بين قطر وإيران، وأكبر حقل للغاز في العالم، وفي رسالة مباشرة مفادها: إذا احترق الغاز الإيراني فلن يبقى غاز آمن في الخليج، والنتيجة انفجار أزمة غاز في السوق العالمية.
إن سيناريو الحرب الحالية قد لا يكون غرضه فقط، وبصورة عامة، إسقاط أنظمة، بل أيضًا إضعاف وتفكيك وتجزيء المجزأ، لغرض الفوضى الخلّاقة و”شرق أوسط جديد” سبق أن بشّرت به وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، وللسيطرة على المكانة والاستحواذ على الثروات وإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة. ما جرى في ليبيا والعراق والصومال، وما يجري في السودان، وما تشهده سوريا، أمثلة على ذلك، بل وما يجري في الجنوب من محاولات الترويج لأقاليم وفصل محافظات عن جسدها الجنوبي الواحد أيضًا.
وفي خضم هكذا مستجدات ومتغيرات متسارعة يمكن استخلاصها من وقائع المشهد، فإن اللافت على الصعيد الدولي، وبشكل عام، تواري نظام القطبية الأحادية الذي ظل متسيّدًا للمشهد منذ سقوط المنظومة الاشتراكية وتفكك حلف وارسو، وأن عودة القطبية الثنائية إلى سابق عهدها قد باتت تلوح في الأفق، وهو ما يمكن قراءة مؤشراته الأولية من عدم استجابة دول حلف الناتو لطلب من أطلق أولى رصاصات الحرب للمشاركة فيها، يقابله تقارب روسي صيني كوري شمالي، وربما تنسيق تركي إيراني وبعض دول خليجية وشرق أوسطية أخرى.
ولكل ذلك يبرز سؤال: أين سيكون موقع الشمال من ذلك في ظل سيطرة ذراع إيران عليه؟ وأين سيكون موقع الجنوب، بالنظر لأهميته الاقتصادية والجيوسياسية وثرواته، ومنطقة ممرات وتجارة دولية وشحن بحري، وفي عصر التكتلات؟ وما يشهده الرياض أيضًا من لقاء تنسيقي بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان، وعلى هامش اجتماع تشاوري أوسع لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية يضم اثنتي عشرة دولة: السعودية، الإمارات، مصر، الكويت، قطر، البحرين، الأردن، لبنان، سوريا، تركيا، باكستان، أذربيجان؛ ربما يكون ذلك في سياق الحفاظ على أمنها واستقرارها وتماسكها ومقدراتها الاقتصادية ومراكزها القانونية والسيادية والدولية، وعلى الأمن الإقليمي وممرات التجارة وانسياب التصدير الآمن بصورة عامة.
وليس عصر التمحور حول الواحد، طالما كان الواحد، وبحسب أعلاه، جزءًا من الكل، وهو ما يستوجب أن يكون للجنوب مكانته بمركزه القانوني الدولي، وبشخصيته الوطنية السيادية، ودولته وحدودها السيادية التي دخل بها الوحدة ومسماها، وتم الانقلاب عليها بالحرب والفتوى والاحتلال، وصارت “الوحدة” بفعل ذلك أثرًا بعد عين، وبقراره المستقل.
وفي ذات السياق، وعلى صعيد مكانة الجنوب في المعادلة الإقليمية والدولية: إن القضية الجنوبية جزء من معادلة جيوسياسية إقليمية ودولية تمتد لتشمل شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر والمصالح العالمية في التجارة والطاقة، وأن الجنوب لا يُنظر إليه فقط كأرض يسعى شعبها لاستعادة دولته، بل كنموذج استراتيجي حيوي يطل على مضيق باب المندب كأحد أهم الممرات البحرية في العالم، يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس، ويمثل شريانًا حيويًا للملاحة الدولية ونقل النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية، مما يجعله لاعبًا مركزيًا في أي معادلة أمنية إقليمية ودولية.
وإن ظهور دولة جنوبية مستقلة يعني تحرير الجنوب من أي نفوذ إقليمي، ويخلق كيانًا مستقلًا قادرًا على بناء تحالفات مع الدول الكبرى، وله تأثير مباشر على أمن الملاحة البحرية، ويفرض شروطًا استراتيجية في البحر الأحمر وخليج عدن، ويمكن له خلق توازن جديد للطاقة والتجارة الدولية، حيث يمكن للدولة الجنوبية أن تلعب دورًا محوريًا في تأمين خطوط النفط والتجارة البحرية.
ناهيك عن كون الجنوب وشعبه ودولته يمكن له أن يكون ظهيرًا لقوى الشمال وأحراره إذا ما رصّوا الصفوف وتقدموا نحو تحرير صنعاء إن كانوا فاعلين.

زر الذهاب إلى الأعلى