ترميم وإصلاح البيت الداخلي أساس حل القضية الجنوبية والانتصار لها

بقلم/ اللواء علي حسن زكي
إن حل القضية الجنوبية، وفي ضوء المستجدات الجيوسياسية والعسكرية والأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والتعقيدات المحلية والتوجهات الخارجية التي تحيط بها، يستوجب استيعاب كل تلك المعطيات والتعاطي معها بواقعية سياسية وذكاء، بعيدًا عن “الصوت المرتفع والفعل المندفع” بحسب وصف أحد قادة الحراك ذات يوم. كما يتطلب ذلك ترميم البيت الداخلي وإصلاح أدواته، والبناء على ما تحقق من مكاسب وانتصارات في مسيرة شعب الجنوب وتضحياته، والتخلص من أسباب الكبوات والعثرات التي رافقتها.
وتظل عدالة ومشروعية القضية الجنوبية قائمة، باعتبارها قضية سياسية بامتياز؛ قضية وطن أرض وشعب ودولة وثقافة وتاريخ، وليست قضية مكون أو مكونات ذاهبة وآتية، فقد وُجدت القضية قبلها. ناهيك عن أن القضية الجنوبية باقية وثابتة حتى الوصول إلى الحل العادل الذي يحقق لشعب الجنوب كامل تطلعاته، وتقرير مصيره، واستعادة دولته كاملة السيادة، وحقه في الحياة الحرة والعيش الكريم، سيدًا على أرضه ومالكًا لثرواته وقراره الوطني المستقل.
وحيث إن حل القضية الجنوبية والانتصار لتحقيق هدفها يستوجب حوارًا شاملًا وندّيًا داخليًا، فإن الحوار مع الذات ينبغي أن يسبق الحوار مع الآخر، كما يستوجب اصطفافًا جنوبيًا واسعًا في إطار جبهة تستوعب تمثيلًا عادلًا ومتوازنًا جغرافيًا ونوعيًا، ومن كل ألوان الطيف، لا مكان فيه لنتوءات الماضي بكل أشكالها وصورها، ولا للغة التخوين والعمالة، وكذلك لاتهام قيادة الانتقالي بالترنح بالقضية الجنوبية في منتصف الطريق، أو الغياب عن المشهد وترك فراغ سياسي، في وقت الجنوب وقضيته بأمسّ الحاجة إليها، دون إدراك أن لذلك قد تكون له أسبابه وضروراته الموضوعية الخارجة عن إرادة الذات.
إن إطلاق مثل هذه اللغة على عواهنها على كل مخالف في الرأي أو الموقف، وفق قاعدة (من لم يكن معي فهو ضدي)، هي لغة تفتقر إلى منطق الحجة في مواجهة الآخر، ولا ريب في ذلك، ناهيك عن التسابق على ترتيبات المستقبل في ظل هشاشة الحاضر.
إن كل ما ورد أعلاه هو صمام أمان التجربة وضمان الانتصار لها، ولا سبيل دونه. وفي هذا الإطار تأتي أهمية وضرورة التوافق على رؤية سياسية توافقية عقلانية وناضجة، تستوعب كل ما تقدم، مع تصحيح التجربة والاستفادة من عثرات الماضي، وفي ضوئه إصلاح وتصويب المسار، وضبط البوصلة في ظل العواصف والأنواء التي تواجه سفينة التجربة في بحر تتقاذفه أمواج الدسائس والمؤامرات من كل حدب وصوب، والتي ربما تكون قد استفادت أيضًا من ضعف العمل المؤسسي وعدم كفاءة الإدارة ومثالب الماضي.
وللنهوض بمهام الحاضر وإنجازها، والتأسيس لمهام المستقبل المنشود وبناء متطلباته، وضمان سلامة وصول السفينة إلى مرفأ الأمان وبرّ الانتصار، يستوجب ذلك أيضًا تفعيل قيم وثقافة التصالح والتسامح في الممارسة والسلوك، وتفعيل خطاب سياسي حصيف قادر على إيصال عدالة ومشروعية القضية الجنوبية محليًا وإقليميًا ودوليًا.
وبما يخص حل القضية الجنوبية، كذلك ينبغي ألا يتم بمعزل عن محيطها الإقليمي، مع ضرورة الحفاظ على السيادة والقرار الوطني المستقل، وإقامة علاقات متوازنة مع كل الأطراف على قاعدة المصالح والمنافع المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بعيدًا عن العلاقات الضيقة، ومن منطلق أن الجنوب جزء من معادلة الكل، ومن غير المناسب أن يضيق على نفسه.
كما أن حل القضية الجنوبية ينبغي ألا يتم بمعزل عن محيطها الدولي، انطلاقًا من كون العالم قد أصبح قرية واحدة بمصالحه المتقاطعة والمتشابكة، والجنوب جزء منه، وليس في جزيرة نائية خارج الفضاء العالمي.
إن كل ما سلف ذكره يستوجب تضافر جهود المجلس الانتقالي، والنخب السياسية والمدنية والمجتمعية الجنوبية الفاعلة، للنهوض به اليوم قبل الغد؛ فالوقت كالسيل إن لم تقطعه قطعك، والزمن لا ينتظر أحدًا.
وفي ذات السياق، طالعتنا صحيفة “الأيام” الغراء في أحد أعدادها الأسبوع الماضي بموضوع لباحث أكاديمي جنوبي، جاء فيه ما له صلة وثيقة بما سبق، نقتبس منه:
إن “البحث عن حلول منفردة لأزمات الدول الوطنية بعيدًا عن محيطها الإقليمي والدولي هو ضرب من المستحيل، خاصة في ظل تشابك المصالح الجيوسياسية التي تفرضها الجغرافيا العالمية، حيث أثبتت الوقائع فشل أي طرف وطني في تأمين أمنه القومي (ناهيك عن استعادة دولته وسيادته) بالاعتماد على قوى خارجية خارج إطارها الوطني ونظامها الإقليمي الطبيعي”.
وأن هناك “ثلاث ركائز تبدأ من التوازن الداخلي لكل دولة، ثم التوازن بين الدول داخل المستويين الوطني والدولي”، وأن “إصلاح الكل يبدأ بالضرورة من إصلاح الأجزاء، وهو الطريق الآمن لبناء قوة الأمة التي تمكنها من خلق توازن ندي مع الأمم الأخرى، والإسهام بفعالية في إرساء قواعد الاستقرار العالمي وحماية شعوبها من التغول الخارجي”.