بين أهمية الحوار والمشاركة الواسعة والبيئة الآمنة تتوافر شروط النجاح

بقلم اللواء/ علي حسن زكي
إن هناك حراكًا سياسيًا تشهده الرياض لانطلاق الحوار الجنوبي–الجنوبي، يتمثل في اللقاءات المستمرة التي يجريها السفير السعودي مع قيادات جنوبية؛ منها من كانت موجودة سابقًا للمشاركة فيه، وأخرى توافدت مؤخرًا.
ولأهمية الحوار والوصول بنتائجه إلى رؤية جنوبية وطنية توافقية واحدة، تشارك فيها كل ألوان الطيف الجنوبي، تحدد كيفية التعامل مع مهام الحاضر السياسية والاقتصادية والمعيشية والخدمية والأمنية والعسكرية، وآفاق مهام المستقبل، ويتحقق من خلالها لشعب الجنوب تطلعاته واستعادة دولته وحقه في الحياة الحرة والعيش الكريم، وفي السيادة الوطنية والسكينة والاستقرار المجتمعي والأمني والمعيشي والخدمي والتنمية المستدامة.
ولأهمية ذلك، ينبغي مراعاة مستجدات ومتغيرات المشهد الإقليمي والدولي المتسارعة، والمصالح الخارجية، وكذا التسابق على الجنوب لما يتمتع به من أهمية اقتصادية وجيوسياسية، وإطلاله على خليج عدن ومضيق باب المندب، والتعامل معها بمرونة وحنكة سياسية ودبلوماسية وندية مع كل الأطراف، والنأي عن صراع الإرادات وسياسة كسر العظم، ووضع مصلحة شعب الجنوب وسيادته الوطنية وقراره المستقل فوق كل الاعتبارات.
وعودًا على أهمية الحوار ونتائجه، فإن غياب جزء من قيادة المجلس الانتقالي الموجودة في الداخل، بقيادة اللواء عيدروس الزُبيدي، وحولها يلتف شعب الجنوب تمسكًا بقضيته وتقرير مصيره واستعادة دولته وتجسيده في مليونياته الحاشدة، إن غيابها عن الحوار قد لا يساعد على نجاحه ونفاذ نتائجه على الأرض، خصوصًا بعد إعلان الجزء الآخر الذي ذهب إلى الرياض للمشاركة، كممثلًا للمجلس، ما يشبه فك ارتباط عن صنوه إن جاز الوصف.
وربما يكون ذلك تعبيرًا عن أسباب غياب المؤسسية في قيادة المجلس وهيئاته، أو في القيادة الجمعية والقرار الجماعي، وهو ما ورد تصريحًا في بعض الآراء وتلميحًا في مجملها، وفقًا لما صدر عنه في بيان حل المجلس وهيئاته، وآراء للمعالجات كما أشرنا إليها تفصيلًا في مقالنا الأسبوع الماضي الموسوم بـ:
“الحوار الجنوبي بالرياض، رؤية توافقية لحل القضية؟ أم لتأسيس الكيان؟”
وخلاصتها، وبصرف النظر عن مدى صحة ودقة ما تم تداوله من تلك الآراء، وبصورة عامة، تشير إلى أن الحوار المزمع انطلاقه سيفضي إلى رؤية جنوبية تحدد ملامح مستقبل الجنوب القادم، ربما بضمانات إقليمية ودولية. ويبقى السؤال: هل ستتضمن نتائج الحوار تحقيق طموحات وتطلعات شعب الجنوب واستعادة دولته؟ أم لإنشاء مكوّن جنوبي آخر؟ كما ذكرنا في ذات المقال.
وفي كل الأحوال، فإن نجاح الحوار ونتائجه ونفاذها قد لا يتأتى ما لم تتم مشاركة قيادة المجلس الانتقالي في الداخل أيضًا، كما أشرنا إليه سابقًا، وما لم تتوفر بيئة آمنة محلية مستقرة، يتوافر فيها ضمان الحقوق والحريات وحق ممارسة النضال السلمي، والكف عن قمع الفعاليات السلمية وسقوط ضحايا من شهداء وجرحى واعتقالات تطال ناشطين، كما حصل في حضرموت.
وكذلك ما لم تكن هناك شفافية في الحوار، من حيث تحديد موعد انطلاقه، وسقف مدته الزمنية، وأهدافه لعكسها في موضوعاته، وتحديد الأطراف المشاركة والقوام العام ونسبة كل طرف فيه، وآلية إدارة جلساته، وكيفية اتخاذ القرار والتوافق عليه وإقراره بصورته النهائية، باعتبار تلك الأسس بمثابة موجهات لأعمال المؤتمر، وفيها نصف النتائج إن لم تكن أغلبها.
إن شعب الجنوب قد أثبت أنه كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو فيه تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وهو ما جسده في خروجه في مسيرات حاشدة عمّت كل محافظات ومديريات الجنوب تضامنًا مع إخوانهم في حضرموت، حيث أثبت بذلك، وفي سياق رفضه للقمع واستهداف الأرواح البشرية، أنه أيضًا مفصل واحد من المهرة إلى باب المندب.
وتأسيسًا على ذلك، فإن من يعتقد أنه بإمكانه، وفي إطار الداخل الجنوبي، تفكيك الجنوب إلى جزر متناثرة على صورة أقاليم، أو فصل محافظات عن بقية أخواتها من خلال العودة به إلى عهد كيان اتحاد الجنوب العربي، الذي يتم اليوم الحديث عن استعادة دولته، والذي كانت بريطانيا قد أنشأته عشية رحيلها ليكون خليفتها بعد الرحيل، أي عهد ما قبل تحقيق الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م وقيام دولة جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية لاحقًا (الديمقراطية) على كامل التراب الجنوبي من الشرق إلى الغرب، على أنقاض كيان اتحاد الجنوب العربي—
والذي كان الجنوب في ظله ممزقًا إلى كانتونات ومحميات شرقية وغربية وولاية عدن—
فهو واهم؛ فحركة التاريخ لا تعود إلى الوراء. وكذلك من يعتقد ذلك أيضًا في إطار أي تسوية سياسية شاملة.