مقالات وآراء

21 مايو إعلان شعب رفض السقوط تحت الهيمنة

بقلم/ ماهر العبادي ابو رحيل

 

في الحادي والعشرين من مايو لم يكن الجنوب يطلق بياناً سياسياً تحكمه ظروف اللحظة ولا خطاباً مؤقتاً تحركه حسابات المصالح الضيقة بل كان يسطر بوعي شعبه ودماء تضحياته موقفاً تاريخياً عميقاً أعاد فيه تعريف القضية الجنوبية باعتبارها قضية وطن وهوية وحق وجود لا مجرد خلاف سياسي يمكن احتواؤه بالشعارات أو التسويات المؤقتة.

لقد جاء إعلان فك الارتباط في لحظة حاولت فيها قوى الهيمنة الشماليه أن تدفن الجنوب تحت ركام الحرب وأن تصادر إرادة شعبه بالقوة، وأن تحول الوحدة من مشروع شراكة إلى أداة إخضاع وغلبة وهيمنة.

لكن الجنوب الذي خبر معنى الدولة وعرف قيمة السيادة أدرك أن الأوطان لا يمكن أن تستمر بالقهر، وأن الشراكة التي تفرض بالدبابات ليست وحدة بل احتلال مغلف بالشعارات.

ومن هنا كان الحادي والعشرون من مايو إعلاناً أخلاقياً ووطنياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً إعلان شعب رفض أن يختزل تاريخه أو تمحى هويته أو يتحول من شريك في وطن إلى تابع يدار بمنطق القوة والغلبة. لقد كان صوتاً مدوياً خرج من بين أنقاض الهيمنة ليقول إن الجنوب ليس أرضاً قابلة للمصادرة ولا شعباً يمكن إخضاعه مهما اشتدت أدوات القمع والتهميش.

وحين سقطت الشراكة في صيف الحرب لم يسقط معها وعي الجنوبيين بحقهم بل ازداد يقينهم بأن الكرامة الوطنية لا تستعاد إلا بالموقف الحر وأن الشعوب الحية قد تتعب وقد ترهقها الأزمات لكنها لا تتنازل عن حقها في الحرية والسيادة وتقرير المصير. فالقضايا العادلة لا تقاس بميزان القوة الآنية، بل بقدرتها على البقاء في وجدان الشعوب جيلاً بعد جيل.

إن الحادي والعشرين من مايو لم يكن مجرد محطة سياسية في ذاكرة الجنوب بل كان لحظة استعادة للمعنى الوطني وتجديداً للعهد بأن الجنوب سيظل متمسكاً بهويته وتاريخه وحقه المشروع في بناء دولته وصياغة مستقبله بإرادته الحرة بعيداً عن أي وصاية أو محاولات لإعادة إنتاج الهيمنة بثوب جديد.

لقد أثبتت السنوات أن الشعوب التي تمتلك قضية عادلة لا يمكن أن تهزم مهما تعرضت للحصار والتشويه والمؤامرات لأن قوة الأوطان الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح أو النفوذ، بل في إيمان أبنائها بحقهم واستعدادهم للدفاع عنه مهما طال الطريق.

ولهذا سيظل الحادي والعشرون من مايو شاهداً على أن الجنوب لم يكن يوماً مشروع تمرد، بل مشروع شعب يناضل من أجل استعادة وطنه وهويته وكرامته السياسية والتاريخية. وسيظل هذا اليوم رمزاً لإرادة لا تنكسر، وصوتاً وطنياً يؤكد أن الأوطان التي تسكن قلوب شعوبها لا يمكن أن تمحى، وأن الشعوب التي تحمل قضيتها بوعي وإيمان قادرة، مهما تعاظمت التحديات، على صناعة مستقبلها وانتزاع حقها في الحياة الحرة الكريمة.

فالقضايا التي تتجذر في ضمير الشعوب لا تموت، والأوطان التي رويت بدماء أبنائها لا تضيع، والتاريخ لا يخلد إلا أولئك الذين تمسكوا بحقهم حين حاول الجميع انتزاعه منهم.

زر الذهاب إلى الأعلى