بوحدة الصف والرؤية يستعيد الجنوب دولته

بقلم/ اللواء علي حسن زكي
إن القضية الجنوبية قضية وطن وأرض وشعب ودولة وتاريخ وثقافة، ولذلك ستظل حاضرة. وبوحدة واصطفاف كل أبناء شعب الجنوب، ومشروع رؤيته السياسية الجامعة، ومخاطبة العالم بلغة المصالح، وبخطاب إعلامي مهني باللغة الإنجليزية يهدف إلى نقل القضية الجنوبية إلى الفضاء الدولي بتلك اللغة التي يقرأها ويفهمها صناع القرار ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام العالمية، يستعيد الجنوب دولته كاملة الحرية والسيادة والاستقلال بحدودها الدولية حتى 22 مايو 1990م، دولة النظام والقانون والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية والعيش الكريم.
لقد وُجدت القضية الجنوبية قبل أن توجد المكونات والأفراد، وهي من أنتجتهم، وبمثل ما أنتجت قيادات نضالية وسياسية سبقت، ستنتج أخرى تواصل السير. وبصورة عامة، مع وجود الاستثناء، ستكون أكثر استيعاباً وفهماً لمهام الراهن بتعقيداته وأساليب النهوض به، وللمستقبل ومتطلبات السير نحوه حتى تحقيق الهدف، مستفيدة في كل ذلك مما تحقق من انتصارات وانكسارات ونجاحات وإخفاقات، سواء على صعيد إدارة القضية أو إدارة العمل المؤسسي والسياسي والدبلوماسي واختيار أدواته. وما قدمه السابقون سيظل تاجاً على رؤوسهم، محفوراً في ذاكرة التاريخ والأجيال المتعاقبة بكل المقاييس.
وفي السياق ذاته، وبمثل ما أن المكونات لا تحل محل القضية، ولا يمكن للقضية أن تكون حصان طروادة لمن يريدون أن يقدموا ذواتهم من خلالها، فإن الفرد لا يجوز له أن يحل محل المكوّن أو محل العمل المؤسسي. وكذلك، فبمثل ما للنضال الميداني شروطه ورجاله، فإن للبناء المؤسسي شروطه ورجاله، ولإدارة النضال السياسي والدبلوماسي شروطها ورجالها، وليس هناك من يمكن له أن يكون رجل كل المراحل وكل المهام. وفي كل الأحوال، فإن البقاء لما حققه الفرد، وليس للكرسي.
ولما كانت الإدارة لا تعني حلول الفرد محل المكون، كذلك فإنهما معاً لا يحلان – وبلغة المنطق قبل الضوابط – محل العمل المؤسسي والقيادة الجماعية أو التوافق في اتخاذ القرار، ولا لتناسل مكونات لا وجود لها على امتداد الخارطة الجغرافية الجنوبية، فكيف لها أن تدير قضية بحجم شعب ووطن؟
إن التوافق ليس مجرد توافق الاجتهادات وحسب، ولكن بمفهومه السياسي الأوسع، هو التوافق المبني على مرجعيات أيضاً، وفي مقدمتها المشروع السياسي الجامع والحصيف، المتوازن والمستوعب للمتغيرات المحلية والإقليمية وموقع الجنوب فيها، وكيفية إدارة قضيته بسياسة واقعية خالية من الضجيج، وعلى طريق استعادة وبناء دولته الفيدرالية المقبولة داخلياً وخارجياً، طالما كان مشروع استعادتها وبنائها مستوعباً لكل ذلك ولمصالح الخارج، ويحمل تطمينات بالحفاظ على مصالح القوى الدولية والإقليمية، ومن مسافة واحدة لا مكان فيها للميل إلى جهة طرف والابتعاد عن الآخر. ناهيك عن أن افتعال أي خصومة أو معارك سياسية هامشية لا يخدم الجهوزية لخوض معركة الدفاع السياسية والدبلوماسية عن القضية واستعادة الدولة.
واتساقاً مع ما سلف، تأتي أهمية تطمين العالم الخارجي بشأن الحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين في المنطقة، والشراكة في تأمين المياه الإقليمية وسلامة الملاحة الدولية والشحن البحري في خليج عدن والبحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب والتطرف والقرصنة البحرية، وكذا إعادة صياغة خطاب سياسي يتحدث مع العالم بلغة الأرقام والمصالح، لا بخطاب الشحن العاطفي والتعميم.
ومن هنا تبرز أهمية تأسيس الجبهة الوطنية الواسعة، المستوعبة لتمثيل عادل ومتوازن للجغرافيا الجنوبية بامتدادها، ولكل ألوان الطيف الجنوبي أيضاً، باعتبارها الرافعة الوطنية لمشروع الرؤية الجنوبية الجامعة، وأساس العمل السياسي ومرتكز فعاليته، والصد المنيع من كل الدسائس والمؤامرات، والكابح لأي محاولات للإقصاء والتهميش أو التفرد وحضور عقلية الماضي.
ومن المهام الواجب الاضطلاع بها الوقوف أمام أسباب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتوالي الجرعات التي ستضاعف من معاناة الناس وانتشار ظاهرة الفقر بصورة مفزعة، ما لم تترافق مع إجراءات اقتصادية موازية تعمل على امتصاص آثارها.
ومن المهام الماثلة أيضاً التصالح مع الذات والكف عن لغة التخوين للمختلف معه، وكذلك عدم التفتيش في الجينات وتوسيع دائرة الخصومة باستعداء كل ما هو شمالي بدلاً من كسبه؛ فقضية الجنوب مع قوى الحرب والفتوى والاحتلال الشمالية، وليست مع المواطن الشمالي العادي الذي يبحث عن حريته، والمغلوب على أمره، والذي يعيل أسرته من افتراش الشارع وعرقه اليومي، وينام على كرتون.