مقالات وآراء

عندما يبتلع الخطاب صاحبه

كتب: علي سيقلي

 

أسهل ما في السياسة أن تخاطب العواطف، وأصعب ما فيها أن تظل وفيًا لما قلت. فالكلمات الاستهلاكية التي تُلقى لإثارة حماس البسطاء قد تصنع صنمًا، لكنها تتحول مع الزمن إلى وثيقة إدانة عندما ينقلب صاحبها على كل ما بشّر به.

 

المفارقة ليست في تبدل المواقف، فالسياسة تعرف المتغيرات، وإنما في أن يتحول من كان يوزع صكوك الوطنية ويحتكرها لنفسه إلى نسخة طبق الأصل ممن ظل سنوات يصفهم بالعملاء والرخاص والعبيد. عندها لا تسقط الأقنعة فحسب، بل تسقط أيضًا المواعظ التي كان يبيعها للجماهير.

 

المشكلة ليست أن السياسي غيّر موقفه، بل لأنه لم يمتلك شجاعة الاعتراف بذلك، فاختار أن يطلب من الناس نسيان الأمس، وكأن الذاكرة عيب، أو أن التسجيلات والخطابات مجرد تفاصيل لا تستحق التوقف عندها.

 

وعندما يصبح الأمس خيانة، واليوم حكمة، فإن الأزمة لا تكون في السياسة، بل في الخطاب الذي بُني على المزايدة لا على القناعة. فالمواقف قد تتغير، لكن المبادئ، إن كانت حقيقية، لا تتحول إلى سلعة تُباع مع كل منعطف.

 

ولذلك، فإن أكثر ما يهزم الخطاب الشعبوي ليس خصومه، وإنما صاحبه عندما يجد نفسه، بعد سنوات من الزعبقة، واقفًا في الصف ذاته الذي كان يرميه بكل أوصاف التخوين والارتهان. فالتاريخ لا يعاقب من غيّر موقفه بقدر ما يعاقب من جعل من التخوين وسيلةً لبناء مجده، ثم انتهى إلى ممارسة ما كان يلعنه بالأمس.

 

بنكسيات

 

السبت الموافق 4 يوليو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى