مقالات وآراء

قتلة وإرهابيون لا أسرى: حينما تغدو العدالة ضحية على طاولة الصفقات

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج

في أدبيات السياسة الدولية، تُعقد صفقات تبادل الأسرى لإنهاء نكبات الحروب، ولتضميد جراح أمة أنهكها الصراع. لكن في واقعنا المأزوم، انقلبت المفاهيم حتى غدت “العدالة” نفسها هي القتيل الأول، والمقايضة هي العنوان الأبرز لمرحلةٍ اختلطت فيها الأوراق، وتماهت فيها أدوار الدولة مع أدوار العصابات.

إننا اليوم أمام مشهدٍ عبثي لا يمكن للعقل أن يستوعبه أو للوجدان أن يتقبله؛ إذ يُراد لنا أن نبتلع مرارة توصيف المجرمين الذين تلطخت أياديهم بدماء القادة والأبرياء كـ”أسرى حرب”. ولنكن واضحين، فإن اللواء ثابت مثنى جواس، والداعية مبارك عوض ذيبان المرزقي، لم يسقطا في جبهات المواجهة كجنود، بل اغتيلا غدرًا في مساكنهما، عبر عبوات ناسفة زرعتها أيادٍ آثمة، واستُوفيت بحق المتهمين كافة إجراءات الضبط والتحقيق، وصدرت بشأنهم أحكام قضائية قطعية.

تآكل هيبة الدولة: من سيادة القانون إلى “دبلوماسية التنازل”

الحديث عن هيبة الدولة في واقعنا هو أمر مفرغ منه، ولكننا نعرف بأن التوصيف القانوني لجرائم الإرهاب والقتل الجنائي بات يذوب في دهاليز السياسة، حتى أضحت الشرعية -بصيغتها الحالية- تبدو وكأنها تتخلى عن وظيفتها كحامية للعدالة، لتتحول إلى مجرد طرف في عملية مقايضة لا تحترم قدسية القصاص.

إن هذا التهاون ليس مجرد خطأ إجرائي، بل هو نسف لجدار الثقة بين المواطن ودولته. فكيف يُتوقع من الشعب أن يحترم سيادة القانون، بينما يرى الدولة تُفرج عن قتلة مدانين وتعيدهم إلى أحضان جرائمهم بحجة التبادل؟ إنها رسالة ضمنية مفادها أن دماء المواطنين أصبحت سلعة في سوق التفاوض، وأن القاتل المحترف يمتلك حصانة سياسية تمنحه الإفلات من العقاب.

السعودية والشرعية والحوثي: مثلث التماهي الخطير

المفارقة المؤلمة تكمن في التماهي الذي بات واضحًا للعيان؛ فبينما يُصنف المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، جماعة الحوثي ككيان إرهابي، نجد أن المسارات التفاوضية تُدار بمنطق يتجاوز هذه التصنيفات. إن الانخراط في صفقات تشمل مدانين بقضايا إرهاب، حتى وإن كان ذلك لغرض استعادة جنود أو مواطنين، يضع حلفاء الشرعية في موقف حرج أمام التزاماتهم الدولية بمكافحة الإرهاب، ويجعل من الشرعية هيكلًا هزيلًا يفتقر إلى مقومات الدولة الراسخة، ويجعل من التحالف شريكًا في إفراغ العدالة من محتواها.

لقد تحولت الشرعية والسعودية -بحسب هذا الطرح- إلى بيئة تُشرعن الإرهاب تحت مسمى الواقعية السياسية. فالسلام الذي يُبنى على الإفلات من العقاب ليس سلامًا، بل هو هدنة هشة تمنح القتلة فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة لارتكاب مزيد من الجرائم.

صرخة الضمير: العدالة ليست ورقة تفاوضية

إن الغضب الشعبي الذي يشتعل اليوم في ردفان وشبوة وحضرموت ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو صرخة حق في وجه العبث. إن أسر الضحايا، وقبائلهم، وكل الأحرار، يؤكدون اليوم أن دماء أبنائهم ليست محلًا للبيع أو المساومة، وأن الأحكام القضائية الصادرة بحق المدانين في قضايا الإرهاب هي خط أحمر لا يجوز لأي سلطة -مهما علا شأنها- أن تتجاوزه.

وهذا ما يستدعي هذا الإنذار

فعلى ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي والنائب العام أن يدركا أن الإفراج عن مدانين بقضايا إرهاب واغتيالات، وتضمينهم في قوائم تبادل الأسرى، هو فعل يضرب في عمق النسيج الاجتماعي ويهدد السلم الوطني. إن التاريخ لن يرحم من يستهين بدماء الأبرياء، ولن تغفر الشعوب لمن يُقايض أمنها واستقرارها بصفقات سياسية خاسرة.

توقفوا عن العبث بالعدالة؛ فالقتلة مكانهم خلف القضبان، لا على طاولات المفاوضات. وإن كان السلام لا يُبنى إلا على أشلاء العدالة، فبئس هذا السلام، وبئس هذا المسار.

زر الذهاب إلى الأعلى