عندما تترك الرياض الخطر الحقيقي وتحارب الحليف الصادق

كتب: أنيس الصالحي
لم يعد خافياً على أي متابع للشأن السياسي في المنطقة أن المعايير قد اختلت وأن البوصلة التي وجهت عاصفة الحزم في بدايتها قد انحرفت عن مسارها الحقيقي ففي الوقت الذي يواجه فيه الإقليم خطراً وجودياً متمثلاً في المليشيات الحوثية نجد أن السياسة السعودية الرسمية باتت تركز جل جهدها وثقلها لمحاربة المجلس الانتقالي الجنوبي والتضييق عليه في مفارقة سياسية عجيبة تحتاج إلى قراءة واقعية وجريئة
الهروب إلى الأمام العجز أمام الحوثي
الحقيقة التي تُثبتها الوقائع على الأرض هي أن الرياض وصلت إلى قناعة تامة بعجزها عن حسم المعركة عسكرياً مع المليشيات الحوثية وتحديداً بعد أن تعرض عمقها الاستراتيجي ومنشآتها النفطية لضربات مباشرة هذا العجز لم يُترجم إلى مراجعة شاملة لأسلوب إدارة المعركة بل تحول إلى هروب إلى الأمام عبر استجداء التهدئة مع صنعاء وتقديم التنازلات الاقتصادية والسياسية لها لضمان أمن الحدود السعودية أولاً وأخيراً
لقد تحول الحوثي في نظر صانع القرار هناك من مليشيا متمردة يجب إسقاطها إلى أمر واقع يجب التعايش معه واسترضاؤه خوفاً من ترسانته العسكرية والطائرات المسيرة التي هددت استقرار المشاريع الاقتصادية الضخمة داخل المملكة، استقواء على الحليف المخلص، وفي مقابل هذا التراجع المهين أمام الحوثي نرى سياسة استعراض العضلات والتضييق الممنهج تُمارس ضد المجلس الانتقالي الجنوبي وشعب الجنوب وهنا تكمن المفارقة الجنوب الذي كان الحليف الصادق الوحيد الذي كسر المد الإيراني على الأرض وطهّر محافظاته بدمائه يُجازى اليوم بالحصار الاقتصادي وحرب الخدمات وصناعة المليشيات الموازية لشق صفه.
تتحرك هذه السياسات مدفوعة بـمخاوف واهية حيث ترى الرياض في وجود جنوب قوي صاحب قرار مستقل ويمتلك قوات عسكرية منظمة وعقائدية خطراً مستقبلياً على تصورها لنفوذها في المنطقة إنها تخشى استعادة الدولة الجنوبية لأنها تريد حديقة خلفية تابعة ومهلهلة وسهلة القيادة ولا تريد شريكاً حقيقياً يمتلك سيادته على أرضه.
القادم رهان خاسر وولادة واقع جديد إن هذه السياسة القائمة على استرضاء العدو ومحاربة الحليف هي رهان خاسر تاريخياً ولن تنتج إلا مزيداً من التغول الحوثي الذي لن يتوقف عند حدود معينة بمجرد توقيع اتفاقيات هشة أما شعب الجنوب ومجلسه الانتقالي فالقادم يفرض عليهم تجاوز لغة حسن النوايا مع التحالف.
إن القوات المسلحة الجنوبية التي حمت أمن المنطقة من الإرهاب والحوثي هي صمام الأمان الوحيد. والوعي الجنوبي اليوم بات يدرك أن الحقوق لا تُوهب من عواصم الإقليم بل تُنتزع من على الأرض وإذا كانت الرياض تخشى الحوثي وتسترضيه، فإن عليها أن تدرك أيضاً أن شعب الجنوب الذي صمد أمام أعتى الحروب لن يقبل بأن يكون كبش فداء في تسويات تضمن أمن الآخرين على حساب حريته وقوته وكرامته