مقالات وآراء

العلم وصناعة الحضارة: من شعلة الشرق إلى هيمنة الغرب

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي

لم يبدأ التاريخ بالسيف. بدأ بالقلم. في سومر، على طين دجلة، سطر الإنسان أول معادلة وأول قانون. وفي مصر بنى الهرم لا بالعبودية فقط، بل بعلم الهندسة والفلك والطب. وفي بابل رصد الكسوف قبل أن يعرف اسمه. كان الشرق هو المعمل الأول للعقل.

ثم انتقلت الشعلة إلى اليونان. هناك حدثت الثورة الحقيقية: تجريد العقل من الأسطورة. سقراط سأل حتى الموت. أفلاطون حلم بالمدينة الفاضلة. أرسطو وضع المنطق ميزاناً للعالم. ولأول مرة في التاريخ قيل: “دعني أفكر” قبل أن يُقال “دعني أؤمن”.

وجاء الإسلام فأعاد إشعال النار. في بغداد، في بيت الحكمة، تُرجمت حضارات العالم كاملة إلى العربية. الخوارزمي اخترع الصفر فاخترع معه العالم الحديث. ابن الهيثم أثبت بالتجربة أن الرؤية ليست خروج أشعة من العين بل دخول ضوء إليها. ابن سينا جمع الطب كله في كتاب. لخمسة قرون كان المسلمون هم أستاذة البشرية.

ولكن في لحظة فارقة، أُغلق الباب. قيل “الاجتهاد انتهى”. قُتل الحلاج لأنه فكر. كُفر ابن رشد لأنه قال العقل والدين لا يتصادمان. وهبت الأوقاف للفقه فجفت معامل الكيمياء. وتحول السؤال من عبادة إلى جريمة. فانتقلت الشعلة.

انتقلت إلى الغرب الذي فهم الدرس. فصل الدين عن الدولة، وطبع جوتنبرج العقل ووزعه على الناس. حوكم جاليليو لأنه قال الأرض تدور، فدارت. جُلد داروين لأنه قال الإنسان تطور، فتطور العلم. سأل فرويد عن اللاوعي فاكتشف الإنسان من الداخل. هناك لم يُسأل العالم: “هل هذا حلال؟” بل سُئل: “هل هذا يعمل؟”

وهنا تحول العلم من معرفة إلى سلطة. الثورة الصناعية جعلت من المعمل مصنعاً ومن العالم مهندساً. الاستعمار لم يأتِ بالبندقية فقط، جاء بالقطار والتلغراف واللقاح. من يملك المال رسم أجندة البحث. ومن يملك القنبلة الذرية كتب قواعد العالم الجديد. نوبل اخترع الديناميت للسلام فصار للموت. أوبنهايمر فك الذرة فبكى وقال: “لقد صرت الموت”.

في القرن العشرين انتصر العقل انتصاراً ساحقاً. الكمبيوتر صار عقلاً من سيليكون. الإنترنت وصل العقول في ثانية. اللقاح هزم الطاعون. الجين صار يُعدل. الإنسان صدق للحظة أنه استغنى عن الإله.

واليوم نحن في الباب الأخير. الذكاء الاصطناعي يفكر عنا. المناخ ينتقم. سباق على المريخ بحثاً عن حياة أخرى بينما الأرض تحترق. السؤال الذي كان ممنوعاً بالأمس صار وجودياً اليوم: هل نحن أسياد الأداة أم عبيدها؟

الخلاصة التي يقدمها التاريخ وثائقياً لا أيديولوجياً هي التالية: الحضارات لا تموت بالهزيمة العسكرية. روما سقطت وبقي فكرها. الأندلس سقطت وبقي علمها. الحضارات تموت عندما تخاف من كلمة واحدة: “لماذا؟”
عندما تصادر السؤال، تصادر المستقبل.

الأمم التي صنعت الحضارة كانت أغنى أمم الأرض بالأسئلة. والأمم التي اشترت الحضارة جاهزة اشترت معها تبعيتها.
العلم ليس حيادياً. العلم سلطة. من ينتج المعرفة ينتج القرار. ومن يستهلك المعرفة يستهلك القرار.

فيا من تقرأ هذا في 2026: اكتبوا التاريخ القادم بالمعامل لا بالمزارات. اصنعوا الحضارة بالعقل لا بالنار. فالشعلة التي بدأت في سومر لم تنطفئ بعد. هي فقط تنتظر من يحملها من جديد.

انتهى

هذا المقال مأخوذ من كتاب :
العلم وصناعة الحضارة: من شعلة الشرق إلى هيمنة الغرب : قراءة وثائقية في تاريخ الفكر والعقل والمجتمع 3000 ق.م – 2000م
تأليف الشيخ أحمد سعيد العمودي

زر الذهاب إلى الأعلى