زيارة إلى الخزانة العتيقية البكرية بالمدينة المنورة

بقلم: النسابة المحقق د. مولاي إبراهيم الأساوي البكري الصديقي التيمي القرشي.
في رحاب الوثائق والمخطوطات وذاكرة البيوتات البكرية الصديقية، ذو الحجة 1446هـ – الموافق يونيو 2025م.
مقدمة:
ليست الخزائن الخاصة مجرد مواضع تُحفظ فيها الكتب والأوراق، بل هي في كثير من الأحيان ذاكرة صامتة تحفظ من أخبار الأمم والبيوتات ما قد لا تجده في المصنفات المطبوعة، وتضم بين دفتيها وثائق ومخطوطات ومشجرات ومكاتبات تشهد على عصور مضت، وتحفظ للباحث مادة أولية لا غنى عنها في دراسة التاريخ والأنساب والحياة العلمية والاجتماعية.
ومن هذا الباب كانت زيارتي للخزانة العتيقة البكرية بالمدينة المنورة، في شهر ذي الحجة سنة 1446هـ، من الزيارات التي بقي أثرها في النفس، لما وقفت عليه فيها من نفائس الوثائق والمخطوطات، وما شاهدته من عناية أصحابها بحفظ التراث وصيانة ما خلفه الأسلاف من آثار علمية ونسبية.
في رحاب المدينة المنورة:
ولمّا يسّر الله تعالى لي قصد مدينة رسول الله ﷺ في شهر ذي الحجة من سنة 1446هـ، كان من جميل ما منّ به عليّ أن أكرمني بزيارة الخزانة العتيقة البكرية، والوقوف على جانب مما حُفظ فيها من آثار البكريين الصديقيين ووثائقهم ومشجراتهم ومكاتباتهم.
وقد وجدت فيها من عتيق الأصول، ونفيس الوثائق، ومما توارثته الأيدي جيلًا بعد جيل، ما يدل على عظيم العناية التي أولتها بعض البيوتات العلمية والنسبية لحفظ آثار أسلافها، وصيانة ما اتصل بتاريخها من الوثائق والمراسلات والمشجرات.
وليس الشأن في كثرة الكتب وحدها، فإن الكتب قد تكثر في الخزائن، وإنما العناية كل العناية بالأصول الخطية، والوثائق القديمة، والمكاتبات، والإجازات، والمشجرات، والسجلات، وما اتصل منها بأعيان الرجال والبيوتات، إذ إن مثل هذه المواد تمثل مصادر أولية لا يستغني عنها الباحث في تحقيق التاريخ والأنساب.
لقاء أهل العلم وحفظة التراث:
وقد شرفني الله تعالى في هذه الزيارة بلقاء ابن العم الكريم، فضيلة الشيخ القاضي عادل العتيق البكري الصديقي القرشي، صاحب الخزانة والقائم على رعاية جانب من تراثها، فوجدته كريم الخلق، حسن المجالسة، واسع الاطلاع، محبًا للبحث والتحقيق، ذا عناية بما يتصل بتاريخ البيوتات البكرية الصديقية وأنسابها ووثائقها.
وكان مجلسه مجلس علم ومذاكرة، تتداول فيه أخبار الرجال والبيوتات، وتُستحضر فيه الوثائق والمرويات، ويُنظر في الأنساب من خلال ما حفظته الخزائن الخاصة من أصول ومشجرات ومكاتبات.
وقد لمست في حديثه مقدار العناية التي يوليها لحفظ هذا التراث، وإبقاء ما وصل إليه من وثائق ومخطوطات في موضعه، حتى تظل متاحة للباحثين والمهتمين متى تهيأت لها أسباب الفهرسة والدراسة والتحقيق.
نفائس الوثائق والمخطوطات:
ثم طوفت في أرجاء الخزانة، فإذا هي تضم ألوانًا من المواد التراثية، من مخطوطات ووثائق ومشجرات وسجلات ومراسلات، مما يعكس جانبًا من تاريخ البيوتات البكرية وصلاتها العلمية والاجتماعية، وما اتصل بها من حركة العلم والقضاء والكتابة والإدارة.
وقد استوقفني على وجه الخصوص ما رأيته من وثائق تتناول أنساب بعض البيوتات البكرية، وتذكر أعمدة النسب، وتشتمل على أسماء رجال وشهود ونقباء، وهي مواد تكتسب قيمتها من قدمها ومن سياقها التاريخي، وتحتاج في الوقت نفسه إلى مزيد من الدراسة والتحقيق والمقارنة بين النسخ والروايات.
ومن جملة ما وقفت عليه من هذه المادة وثائق تتضمن إشارات إلى البكريين بالمغرب الأقصى، وفي جملتها ما يتصل بأسرة أهل محمود بن مبارك آل الأساوي البكري الصديقي، حيث وردت فيها إشارات إلى سلسلة النسب وبعض ما يتصل بها من شهادات وأسماء أهل المعرفة.
ومثل هذه الوثائق، في نظري، لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن سياقها التاريخي، ولا أن يُكتفى بمجرد نقلها، بل تحتاج إلى تحقيق أصولها، ودراسة خطوطها وتواريخها وأختامها، ومقارنتها بما يوجد في خزائن أخرى من وثائق مستقلة، حتى يستقيم للباحث بناء الصورة التاريخية على أساس من النقد العلمي.
الوثيقة وأمانة التحقيق:
وقد ازددت من خلال هذه الزيارة يقينًا بأن علم الأنساب، كما هو شأن التاريخ، لا يقوم على الشهرة وحدها، ولا على الدعوى المجردة، وإنما يحتاج إلى اجتماع القرائن وتضافر الأدلة، من وثيقة صحيحة، ونقل معتبر، ورواية متصلة، واستفاضة بين أهل المعرفة، مع مراعاة الزمان والمكان والطبقات، ومقابلة الفروع بأصولها.
فالوثيقة ليست غاية في ذاتها، وإنما قيمتها في ثبوتها وصحة نسبتها وسلامة سياقها، كما أن المشجرة لا تُقبل لمجرد قدمها، بل يُنظر في أصلها، وكاتبها، وتاريخها، ومصادرها، وما يوافقها أو يخالفها من الوثائق والروايات.
وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يسلكه الباحث في مسائل الأنساب، بعيدًا عن التعصب والخصومة، إذ إن الغاية من التحقيق ليست الانتصار لرأي أو أسرة، وإنما الوصول إلى ما يشهد له الدليل، وما تؤيده القرائن التاريخية المتضافرة.
الخزانة بوصفها ذاكرة للتراث:
وقد ظهر لي من خلال ما شاهدته أن الخزانة العتيقية البكرية ليست مجرد مكان لحفظ الكتب والوثائق، بل تمثل في جانب منها ذاكرة عائلية وعلمية تحفظ آثار رجال وبيوتات تعاقبت عليها السنون، وتتيح للباحث فرصة الوقوف على مصادر أولية قد لا تكون متداولة في الكتب المطبوعة.
ومن هنا تأتي أهمية الخزائن الخاصة في حفظ التراث الإسلامي؛ فكثير من الوثائق التي تتصل بتاريخ الأسر والبيوتات العلمية والقرشية والبكرية ظلت محفوظة في خزائن الأفراد، وتناقلتها الأجيال، وبقيت بعيدة عن متناول الباحثين إلا في حالات محدودة.
ولذلك فإن العناية بهذه الخزائن، وفهرسة محتوياتها، وتصوير وثائقها، وترميم ما يحتاج منها إلى الترميم، وإتاحة ما يمكن إتاحته للباحثين، تمثل عملًا مهمًا في خدمة التاريخ وحفظ الذاكرة العلمية والاجتماعية للأمة.
كما أن ما تحويه هذه الخزائن من وثائق متصلة بتاريخ المدينة المنورة وسائر الحواضر الإسلامية يستحق مزيدًا من الدراسة، لما تمثله المدينة النبوية من مركز علمي وحضاري، وما اجتمع فيها عبر القرون من أسر العلماء والقضاة والنسابين وطلاب العلم.
كلمة في ختام الزيارة:
وإني لأرى أن مثل هذه الزيارات ليست مجرد رحلات عابرة، وإنما هي وقوف على صفحات حية من تاريخنا، ولقاء مع آثار تركها الأولون، ورسالة إلى الأجيال بأن ما حفظه الأسلاف من وثائق ومخطوطات ومشجرات إنما هو أمانة في أعناق من وصلت إليهم، وأن صيانته وتحقيقه وإتاحته للباحثين من أجلّ وجوه الوفاء لهم.
وقد خرجت من هذه الزيارة وأنا أشعر بعظيم المسؤولية التي تقع على عاتق أصحاب الخزائن الخاصة، وعلى الباحثين والنسابين والمؤرخين، في حفظ هذه الذخائر من الضياع، وإخراجها من دائرة التداول المحدود إلى دائرة التحقيق العلمي الرصين، مع صيانة حقوق أصحابها وحفظ خصوصية ما لا يراد نشره.
فالحمد لله الذي يسّر لي زيارة المدينة المنورة، وشرّفني بالوقوف على جانب من هذه الخزانة وما حفظته من نفائس التراث، وجمعني بأهل الفضل والعلم، وأتاح لي أن أرى بأم عيني جانبًا من الجهود المبذولة في صيانة الوثائق والمخطوطات.
وأسأل الله تعالى أن يحفظ هذه الخزانة وأهلها والقائمين عليها، وأن يوفقهم إلى صيانة ما استؤمنوا عليه من تراث، وأن يجعل هذه النفائس ذخيرة للعلم، ومادة للباحثين، وجسرًا يصل حاضر الأمة بماضيها، وأن يكتب لكل من أسهم في حفظها ونشرها الأجر والثواب.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيد الاعتبار إلى خزائن الأسر والبيوتات العلمية، وأن ننظر إلى ما فيها بعين الباحث المتثبت، فلا نغلو في قبول ما فيها، ولا نفرط في ردّه، وإنما نزن الوثيقة بميزان النقد، ونقابل الرواية بالرواية، ونردّ كل خبر إلى أصله، حتى يبقى التاريخ محفوظًا من الزيادة والنقصان، وتبقى الأنساب مصونة من الوهم والاضطراب.
والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
مصادر:
1. الجوهرة في نسب الشيخ محمد يعزى ويهدى الاساوي البكري واحفاده البررة .
2. الدرر البهية في نسب السادة البكرية اهل محمود بن مبارك الاساوي .