الجنوب العربي بين قضية الدولة وحق تقرير المصي

كتب: وليد قحطان محمد
عيدروس الزُبيدي ومشروع استعادة الدولة كاملة السيادة وتمسّك الشارع الجنوبي بخيار استعادة دولته
تعود قضية الجنوب العربي إلى واجهة المشهد السياسي من جديد، في ظل استمرار حالة التعقيد السياسي والأمني والاقتصادي التي تعيشها المنطقة، وتصاعد الأصوات الجنوبية المطالبة باستعادة دولة الجنوب بحدودها وسيادتها ومؤسساتها، وإنهاء واقع الوحدة السياسية التي يرى قطاع واسع من الجنوبيين أنها لم تعد تعبّر عن تطلعاتهم.
وبالنسبة للمؤيدين للقضية الجنوبية، فإن المطالبة باستعادة الدولة ليست مجرد مطلب سياسي عابر، بل قضية ترتبط بالهوية والقرار السياسي والسيادة على الأرض والثروات، وبحق أبناء الجنوب في اختيار مستقبلهم السياسي عبر وسائل سلمية وسياسية تضمن التعبير عن إرادتهم.
عيدروس الزُبيدي.. من قيادة المشروع الجنوبي إلى طرح استعادة الدولة:
يقف الرئيس عيدروس الزُبيدي في مقدمة الشخصيات السياسية التي ارتبط اسمها بالمشروع الجنوبي خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال موقعه السياسي أو دوره في قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويرى مؤيدو الزُبيدي أن مشروعه السياسي يقوم على الدفع بالقضية الجنوبية نحو موقع أكثر حضوراً في المفاوضات والعملية السياسية، والعمل على بناء مؤسسات جنوبية قادرة على إدارة المرحلة المقبلة، وصولاً إلى الهدف الذي يعلنه أنصار المشروع الجنوبي والمتمثل في استعادة دولة جنوبية كاملة السيادة.
ولا ينظر أنصار الزُبيدي إليه باعتباره مجرد قائد سياسي، بل باعتباره ممثلاً لمشروع سياسي يعتقدون أنه يعبّر عن تطلعات شريحة واسعة من الجنوبيين، خصوصاً في ظل استمرار المطالبات الشعبية بإعادة صياغة مستقبل الجنوب بعيداً عن فرض أي ترتيبات سياسية لا تحظى بقبول الجنوبيين.
التفويض الشعبي.. بين المساندة السياسية والتحدي الوطني:
يُعد مفهوم التفويض الشعبي أحد أبرز العناوين التي يستخدمها أنصار المشروع الجنوبي في التعبير عن دعمهم لقيادة عيدروس الزُبيدي.
فالمظاهرات والفعاليات الجماهيرية التي ينظمها أنصار القضية الجنوبية تحمل رسائل سياسية واضحة، من أبرزها التمسك بالقضية الجنوبية ورفض التراجع عن مطلب استعادة الدولة.
ويرى المؤيدون أن استمرار الحضور الشعبي في الفعاليات والمليونيات والاحتجاجات يمثل شكلاً من أشكال التعبير السياسي عن الإرادة الجنوبية، ويمنح القيادة السياسية الجنوبية زخماً في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل الجنوب.
لكن التفويض الشعبي، في مفهوم الدولة الحديثة، لا يكتسب قيمته السياسية من الحشود وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى مؤسسات سياسية وقانونية وانتخابية قادرة على ترجمة الإرادة الشعبية إلى مشروع دولة مستقر، يحظى بالشرعية الداخلية والقبول السياسي والإقليمي والدولي.
استعادة الدولة.. من الشعار إلى مشروع مؤسسات:
إن استعادة دولة كاملة السيادة، كما يطرحها أنصار القضية الجنوبية، لا تتوقف عند إعلان سياسي أو تغيير في شكل السلطة، وإنما تتطلب بناء مؤسسات دولة متكاملة.
فالدولة المنشودة تحتاج إلى نظام سياسي واضح، ومؤسسات تشريعية وقضائية، وأجهزة أمنية وعسكرية منظمة، واقتصاد قادر على توفير الخدمات، وإدارة شفافة للموارد والثروات، وسياسة خارجية تحفظ مصالح الجنوب وعلاقاته مع محيطه الإقليمي والدولي.
وهنا تبرز أمام قيادة المشروع الجنوبي، وعلى رأسها عيدروس الزُبيدي، مسؤولية الانتقال من مرحلة التعبئة السياسية إلى مرحلة بناء التصور المتكامل للدولة: كيف ستكون مؤسساتها؟ وما شكل نظامها السياسي؟ وكيف ستُدار مواردها؟ وكيف ستُضمن حقوق المواطنين؟ وكيف ستُبنى علاقة متوازنة مع دول الجوار والمجتمع الدولي؟
قضية الجنوب أمام اختبار السياسة:
تواجه القضية الجنوبية تحديات سياسية كبيرة، أبرزها تعدد المواقف الجنوبية، وتعقيدات الملف اليمني، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، إضافة إلى ضرورة بناء توافق جنوبي واسع حول شكل الدولة المستقبلية وآليات الوصول إليها.
ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع لاستعادة الدولة يحتاج إلى توسيع دائرة الحوار الجنوبي، وتجنب الإقصاء، وإشراك مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، بحيث تصبح الدولة المنشودة مشروعاً وطنياً جامعاً لا مشروع طرف سياسي واحد.
كما أن الحفاظ على الطابع السلمي والسياسي للمطالبة بالحقوق، واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة والتظاهر، يمثل عاملاً أساسياً في تعزيز الموقف السياسي للقضية الجنوبية أمام الداخل والخارج.
الشعب هو صاحب القرار:
في نهاية المطاف، تبقى مسألة مستقبل الجنوب مرتبطة بإرادة أبنائه، وبقدرتهم على التعبير عنها من خلال الوسائل السياسية والقانونية والسلمية.
وإذا كان الشارع الجنوبي، وفق ما يظهر في الفعاليات المؤيدة للقضية، متمسكاً بمشروع استعادة الدولة، فإن التحدي الأكبر أمام القيادة السياسية يتمثل في تحويل هذا التمسك الشعبي إلى مشروع سياسي واضح، ومؤسسات قادرة على إدارة دولة حديثة، ورؤية تحظى بأوسع قدر ممكن من التوافق.
أما عيدروس الزُبيدي، فإن استمرار التفاف أنصاره حوله يضعه أمام مسؤولية تاريخية؛ فالدعم الشعبي لا يمثل فقط قوة سياسية، بل يفرض أيضاً مسؤولية تحقيق تطلعات الناس، وحماية حقوقهم، وبناء مؤسسات قوية، وتقديم رؤية واضحة لمستقبل الجنوب.
الخلاصة
تبقى قضية الجنوب العربي واحدة من أكثر الملفات السياسية حساسية وتعقيداً في المنطقة، فيما يواصل أنصارها المطالبة باستعادة دولة كاملة السيادة، مؤكدين أن هذا الخيار يمثل تطلعهم السياسي والوطني.
وبينما يرى مؤيدو عيدروس الزُبيدي أنه يقود هذا المشروع ويمثل خياراً سياسياً يحظى بتفويض شعبي، فإن المرحلة المقبلة ستضع هذا المشروع أمام اختبار حقيقي: هل يمكن تحويل الدعم الشعبي والقضية السياسية إلى مشروع دولة متكامل، مستقر، قادر على حماية حقوق مواطنيه وبناء علاقات متوازنة مع محيطه والعالم؟
فاستعادة الدولة، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط برفع الشعارات، وإنما بقدرة القيادة والشعب على بناء دولة مؤسسات، وسيادة القانون، والعدالة، والأمن، والاقتصاد، والحقوق والحريات.