مقالات وآراء

متى تدور عجلة التعليم بشكل طبيعي؟

كتب:د. مسعود عمشوش

ليس أصعب على المدرسة أو الجامعة من أن يُطلب منهما أن تفتحا أبوابها في موعد محدد، بينما لا تزال هي نفسها تنتظر من يفتح لها أبواب الحياة. فبدء العام الدراسي، في الظروف الطبيعية، يبدو حدثًا إداريًا بسيطًا: تعلن الوزارة التقويم، وتستعد المدارس والجامعات، ويعود التلاميذ والطلاب إلى مقاعدهم، وتدور عجلة التعليم من جديد. لكن الأمر في بلادنا ليس بهذه البساطة؛ إذ إن السؤال عن موعد بدء الدراسة سرعان ما يتحول إلى سؤال أكبر وأكثر إلحاحًا: هل المؤسسات التعليمية الحكومية مهيأة أصلًا لاستقبال عام دراسي جديد؟
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة. فنحن نتعامل مع التقويم الدراسي وكأنه مجرد تواريخ تُكتب في تعميم وزاري: بداية العام، ونهايته، ومواعيد الاختبارات، والإجازات. بينما التقويم الحقيقي لا يبدأ من الورق، وإنما من الواقع؛ من المدرسة والكلية التي ينبغي أن تكون قابلة لاستقبال طلابها أو تلاميذها، ومن المعلم أو الأستاذ الذي ينبغي أن يكون قادرًا على أداء رسالته، ومن الأسرة التي ينبغي أن تستطيع توفير الحد الأدنى من مستلزمات الدراسة لأبنائها.
ومن ثم، فإن السؤال عن متى يبدأ العام الدراسي الجديد؟ لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن سؤال آخر أكثر جوهرية: بأي شروط سيبدأ؟
نعم، التقويم الدراسي ليس تاريخًا على الورق، ففي معظم مناطق جنوب، لا تبدو المؤسسات التعليمية الحكومية في أفضل حالاتها وهي تستعد لاستقبال عام جديد. فهناك مدارس تعاني نقصًا في التجهيزات الأساسية، وفصول تحتاج إلى الصيانة، ومختبرات لا تتوافر فيها أبسط مستلزمات العمل، وأجهزة تعليمية غائبة أو معطلة، فضلًا عن مشكلة الكهرباء التي تحولت من خدمة أساسية إلى أمنية مؤجلة.
أما الجامعات الحكومية، التي يفترض أن تكون فضاءً للمعرفة والبحث العلمي وإعداد الأجيال الجديدة، فإنها تواجه بدورها أعباءً متراكمة وغياب شبه تام للميزانيات والموارد يجعلان الحديث عن عام جامعي منتظم أقرب إلى الحديث عن أمنية منه عن خطة قابلة للتنفيذ بسهولة.
وليس من المنطقي، في مثل هذه الظروف، أن يُختزل النقاش في تحديد يوم بعينه لعودة الطلاب إلى المدارس والجامعات. فالتاريخ وحده لا يصنع عامًا دراسيًا ناجحًا، كما أن الجرس المدرسي لا يكفي وحده لإطلاق عملية تعليمية حقيقية.
إن التقويم الدراسي ينبغي أن يكون في الأصل ترجمة للقدرة على التعليم، لا بديلًا عنها.
مدارس وجامعات بلا إمكانات… وأسر بلا قدرة
والمشكلة لا تقف عند حدود المؤسسة التعليمية. فخلف كل تلميذ يجلس على مقعده أسرةٌ تواجه هي الأخرى معركة يومية مع الغلاء وتدهور الدخل وارتفاع تكاليف الحياة.
لقد أصبح توفير الحقيبة والكتب والدفاتر والملابس المدرسية والمواصلات، فضلًا عن رسوم بعض الاحتياجات والأنشطة، عبئًا متزايدًا على كثير من الأسر. وما كان في سنوات سابقة من المسلمات البسيطة التي يستطيع رب الأسرة توفيرها لأبنائه، أصبح اليوم يحتاج إلى حسابات دقيقة، وربما إلى تنازلات عن احتياجات أخرى أكثر إلحاحًا.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام معادلة شديدة القسوة، مؤسسات تعليمية حكومية محدودة الإمكانات، ودخل أسري محدود، وتكاليف دراسية تتزايد عامًا بعد عام.
وفي هذه المعادلة لا يكون الطفل أو الطالب مجرد متلقٍ للتعليم، بل يصبح هو الطرف الأكثر تعرضًا للخسارة.
فالأسر القادرة ماليًا تستطيع أن تبحث عن مدارس خاصة أكثر تجهيزًا وانضباطًا، أو أن توفر لأبنائها دروسًا إضافية، أو أن تجد لهم فرصًا تعليمية خارج البلاد متى توفرت الإمكانات والصلات والفرص. أما الأسرة محدودة الدخل فلا تملك في الغالب إلا المدرسة الحكومية، حتى وإن كانت هذه المدرسة نفسها تفتقر إلى الحد الأدنى الذي يجعل العملية التعليمية مستقرة وفعالة.
وهنا يظهر التعليم الحكومي بوصفه الملاذ الأخير لأبناء الفئات الأوسع من المجتمع، الأمر الذي يجعل العناية به ليست ترفًا إداريًا، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.

ولا يمكن الحديث عن جودة التعليم من دون الحديث عن المعلم. فالمعلم الذي يتقاضى دخلًا لا يتناسب مع تكاليف الحياة، ويجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن مصدر دخل إضافي، ليس في وضع يسمح له بأن يتفرغ لرسالته التعليمية كما ينبغي. وحين تكون رواتب المدرسين والإداريين في المؤسسات الحكومية متدنية، فإن ذلك ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مستوى الأداء والاستقرار والالتزام.
ومن المفارقات اللافتة أن جزءًا من العاملين في المؤسسات التعليمية غير الحكومية هم أصلًا من منتسبي المؤسسات الحكومية. فالمدرس الذي لا يستطيع أن يعيش من راتبه الرسمي يجد في العمل الإضافي خارج المؤسسة الحكومية وسيلة لتدوير دخله وتأمين احتياجات أسرته.
وهذه ليست ظاهرة محلية فحسب؛ فهي معروفة في عدد من البلدان الفقيرة أو التي تعاني أزمات اقتصادية طويلة. غير أن خطورتها تظهر حين يتحول العمل الإضافي من استثناء إلى قاعدة، وحين تصبح المدرسة الحكومية مكانًا يستنزف وقت المعلم، بينما يتحول النشاط التعليمي الموازي إلى المجال الذي يبحث فيه عن قدر أكبر من الدخل.
وليس من العدل أن نطالب المعلم بأعلى درجات الانضباط والتفاني، ثم نضعه في ظروف معيشية تدفعه دفعًا إلى البحث عن مصادر أخرى للرزق. والتعليم الجيد يحتاج إلى معلم يشعر أن المجتمع يقدّر رسالته، لا إلى معلم يخوض يوميًا معركة البقاء.
وماذا عن حرّ الصيف؟
ثم تأتي مشكلة أخرى قد تبدو ثانوية في الحسابات الإدارية، لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى التلميذ والمعلم: الطقس. فإذا كانت موجات القيظ والحرارة الشديدة في معظم مناطق بلادنا تمتد إلى نهاية الصيف، بل تتجاوز أحيانًا بداية الخريف، فكيف يمكن أن نطالب الأطفال والشباب بالجلوس لساعات طويلة في فصول تفتقر في كثير من الأحيان إلى وسائل التبريد والكهرباء؟
إن الحديث عن انتظام الدراسة في بيئة مدرسية شديدة الحرارة، مع غياب الكهرباء أو عدم انتظامها، لا ينبغي أن يُعامل باعتباره تفصيلًا هامشيًا. فالحرارة الشديدة تؤثر في قدرة الطالب على التركيز والاستيعاب، وتضاعف الإرهاق، وتجعل وجوده في الفصل لساعات طويلة عبئًا جسديًا ونفسيًا.
ولذلك، فإن تحديد موعد بدء الدراسة يجب أن يستند إلى قراءة واقعية للمناخ والبيئة المدرسية، لا إلى تقويم جامد يتكرر عامًا بعد عام بصرف النظر عن اختلاف الظروف.
فليس المطلوب أن تتحدى المدرسة الطبيعة، وإنما أن تتكيف معها قدر الإمكان، وأن تضع سلامة التلميذ والمعلم في مقدمة أولوياتها.
هل نريد تقويمًا دراسيًا أم مجرد إعلان؟
السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه أمام الوزارات والسلطات التعليمية في جنوب اليمن هو: هل نحن بصدد إعداد تقويم دراسي قابل للتطبيق، أم مجرد إعلان رسمي عن موعد يفترض أن تبدأ فيه الدراسة؟
الفارق بين الأمرين كبير. فالتقويم الحقيقي ينبغي أن يسبقه تقييم لحالة المدارس، ومدى توافر الكهرباء والمياه ودورات المياه والتجهيزات، وقدرة الإدارات المدرسية على العمل، واستعداد المعلمين، والظروف الاقتصادية للأسر، وحالة الطقس، ومستوى الأمن والاستقرار، ثم يأتي تحديد الموعد بوصفه نتيجة لهذه المعطيات كلها.
أما أن يصدر القرار في نهاية أغسطس أو بداية سبتمبر، ثم تُترك عملية التنفيذ لمستوى استعداد كل مدرسة، ولضمير كل مدير، ولقدرة كل معلم، ولظروف كل أسرة، فإن ذلك يعني عمليًا نقل مسؤولية القرار من الوزارة إلى المجتمع. والمشكلة أن مثل هذا الأسلوب يخلق عامًا دراسيًا متفاوتًا من مكان إلى آخر: مدرسة تبدأ مبكرًا، وأخرى تتأخر، وثالثة تعمل جزئيًا، ومعلم يلتزم قدر استطاعته، وآخر يبحث عن عمل إضافي، وأسرة تدفع أبناءها إلى المدرسة رغم الحر، وأخرى تعجز عن توفير أبسط متطلبات الدراسة. والظاهرة نفسها نجدها في كليات الجامعات الحكومية.
وهكذا يصبح لدينا تقويم دراسي واحد على الورق، وتقويمات متعددة في الواقع. أننا لا نحتاج إلى موعد فقط… بل إلى شروط البداية. لذلك، ربما آن الأوان لأن يتغير السؤال نفسه. بدل أن نسأل فقط: متى يبدأ العام الدراسي؟ ينبغي أن نسأل: متى تصبح مدارسنا جاهزة لبدء العام الدراسي؟
ومتى تصبح الفصول صالحة لاستقبال الأطفال في ظل الحرارة الشديدة؟ ومتى تتوافر الكهرباء أو البدائل الضرورية؟ ومتى يحصل المعلم على ما يكفي من الاستقرار المعيشي الذي يساعده على أداء عمله؟ ومتى تستطيع الأسرة محدودة الدخل أن توفر لأبنائها الحد الأدنى من مستلزمات الدراسة؟ ومتى يصبح لدينا تقويم دراسي مبني على دراسات واقعية للطقس والموارد والبنية التحتية، بدل أن يكون مجرد تقليد لتواريخ اعتدنا عليها؟
إن القضية ليست في أن يبدأ العام الدراسي في سبتمبر أو أكتوبر، ولا في أن يكون القرار متقدمًا أو متأخرًا ببضعة أسابيع. القضية في نوع التعليم الذي نريد أن نقدمه، والبيئة التي نريد لأبنائنا أن يتعلموا فيها.
فقد نربح أسبوعين أو ثلاثة في بداية العام، لكننا قد نخسر في المقابل تركيز التلميذ، وصحة المعلم، وانتظام الحصص، وثقة الأسرة بالمؤسسة التعليمية.
والتعليم، في النهاية، ليس سباقًا مع التقويم، وإنما بناء طويل الأمد للإنسان.
هل يمكن القول: أن نبدأ متأخرين أفضل من أن نبدأ ناقصين؟ قد يكون من الصعب على الوزارات المعنية أن تعثر على الموعد المثالي لبدء الدراسة في ظروف استثنائية كهذه. لكن الصعوبة لا تبرر تجاهل الواقع.
ربما يكون تأخير البداية بضعة أسابيع، إذا كان ذلك ضروريًا لتجاوز موجة الحر أو استكمال الحد الأدنى من التجهيزات، أقل ضررًا من بداية مبكرة شكلية تنتهي إلى غياب الطلاب، وتراخي المعلمين، واضطراب الإدارات المدرسية، وتراجع مستوى التحصيل.
فما جدوى أن نفتح أبواب المدرسة في موعدها إذا كانت أبواب التعليم الحقيقي ستظل مغلقة؟ إننا بحاجة إلى تقويم دراسي مرن وواقعي وإنساني، يضع مصلحة التلميذ في مركز القرار، ويأخذ بعين الاعتبار أوضاع المعلمين والأسر، ولا يتعامل مع المدرسة بوصفها مبنى فقط، بل بوصفها منظومة متكاملة تحتاج إلى كهرباء وماء وتجهيزات ومعلم مستقر وطالب قادر على الحضور والتعلم.
وإذا كانت الدولة عاجزة اليوم عن توفير كل شيء، فإن ذلك لا يعني أنها عاجزة عن وضع الأولويات الصحيحة.
وفي الجنوب ، حيث أثقلت الحرب والأزمات كاهل المجتمع، وحيث لم تعد الأسرة قادرة على حمل أعباء إضافية، لا ينبغي أن يتحول التقويم الدراسي إلى ورقة إدارية أخرى تُضاف إلى ملف القرارات، ثم يُترك المجتمع وحده ليواجه تبعاتها. نحن لا نحتاج فقط إلى أن نحدد متى يبدأ العام الدراسي؛ نحتاج قبل ذلك إلى أن نحدد متى تستطيع المدرسة أو الجامعة أن تبدأ فعلًا.
وأي تعليم نريد أن يبدأ، ولأي مستقبل نهيئ أبناءنا؟

زر الذهاب إلى الأعلى