حوار البرهان تحت الاختبار: مبادرة سياسية بلا ضمانات تُجمّل سلطة الحرب وتراهن على إطالة الأزمة

بقلم:أ. أحمد محمد حامد العبيد
إعلان البرهان عن بدء حوار مع ما سماه «القوى الوطنية السودانية» لإشراكها في مؤسسات الحكم، وتقديمه العملية باعتبارها مستقلة ومفتوحة أمام المجتمع، لا يصمد أمام اختبار الواقع. فكيف يمكن لسلطة تدير البلاد بعقلية الحرب والطوارئ، وتضيّق المجال العام، وتقيّد النشاط السياسي والإعلامي، أن تقدم نفسها فجأة باعتبارها راعية لحوار حر؟ فالحرية لا تُعلن في خطاب سياسي، وإنما تُقاس بقدرة المواطنين والقوى السياسية على التعبير والاعتراض والتنظيم دون خوف أو تضييق. وفي ظل استمرار الحرب وغياب الضمانات، تبدو الدعوة أقرب إلى محاولة لتجميل صورة سلطة الأمر الواقع منها إلى تحول سياسي حقيقي.
جوهر المبادرة، في ظل غياب جدول زمني واضح وضمانات مستقلة وربط مباشر بوقف الحرب، يبدو أقرب إلى كسب الوقت وإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها. فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الضحايا والنزوح والدمار، ويمنح الأطراف العسكرية فرصة لإعادة ترتيب صفوفها وتحسين شروطها التفاوضية على الأرض. ولهذا فإن تحويل الحوار إلى عملية مفتوحة بلا سقف زمني أو مسار ملزم قد يجعل منه أداة لإطالة الحرب، خصوصاً إذا استمر الخطاب السياسي في اتجاه، بينما تتواصل التحركات العسكرية في اتجاه آخر.
كما أن أي حوار يُدار من داخل منظومة الحرب ووفق انتقاء مسبق للمشاركين لا يمكن وصفه بالحوار الوطني الشامل. فإعادة تدوير القوى المرتبطة بالنظام السابق أو الأطراف التي ساهمت في إنتاج الأزمة، مقابل إقصاء قوى مدنية واجتماعية وسياسية فاعلة، لن يؤدي إلى توافق، بل سيعيد إنتاج أسباب الصراع. الحوار الحقيقي يجب أن يكون مستقلاً عن البندقية، قائماً على تمثيل واسع وحقيقي للسودانيين، لا على الولاء لمراكز النفوذ أو الرغبة في اقتسام السلطة. أما الحوار المفصل على مقاس السلطة فلن يكون سوى واجهة سياسية لأزمة عسكرية مستمرة.
السودان لا يحتاج إلى مبادرات جديدة تستهلك الوقت بينما تتسع معاناة المدنيين، وإنما يحتاج إلى مسار واضح يبدأ بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية، ثم الانتقال إلى عملية سياسية مدنية شاملة وذات مصداقية، مع محاسبة المتورطين في الانتهاكات وعدم مكافأة من أسهموا في إشعال الحرب بمواقع سياسية. أما القفز فوق جذور الأزمة والبدء بتوزيع المناصب قبل إنهاء الحرب، فلن يصنع سلاماً. ولذلك فإن دعوة البرهان، ما لم تتحول من خطاب سياسي إلى إجراءات حقيقية، ستظل أقرب إلى مناورة لكسب الوقت وتجميل واقع الحرب، لا إلى مشروع جاد لإنقاذ السودان.