الشيخ الدكتور عبد الهادي بن عبد الله حميتو البكري الصديقي.. مسيرة علمية حافلة في خدمة القرآن الكريم وعلوم القراءات

بقلم : النسابة المحقق د.مولاي إبراهيم الأساوي البكري القرشي.
يُعدّ الشيخ الدكتور أبو الحسن عبد الهادي بن عبد الله حميتو البكري الصديقي من الشخصيات العلمية المغربية التي ارتبط اسمها بخدمة القرآن الكريم وعلوم القراءات، والتدريس والتأليف والتحقيق، كما عُرف بمشاركته في عدد من لجان التحكيم والمراجعة القرآنية داخل المغرب وخارجه.
ينتمي الدكتور عبد الهادي بن عبد الله حميتو إلى أسرة علمية قرآنية عُرف رجالها بالعناية بحفظ القرآن الكريم وقراءاته، وبالتدريس والإقراء، وينسب، بحسب المصادر العائلية التي أُوردت في ترجمته، إلى ذرية سعيد بن مسعود بن علي بن الشيخ محمد يعزى ويهدى الأسّاوي البكري الصديقي.
وتذكر المصادر و الروايات النسبية المتداولة في الأسرة أنه من أبناء عمومة أسرة آل الأسّاوي أهل محمود بن مبارك البكري بزاوية اسا ، وأن صلة القرابة بين الفرعين تلتقي في الجد علي بن الشيخ محمد يعزى ويهدى الأسّاوي البكري، ضمن سلسلة النسب التي أوردتها المصادر من وثائق ومخطوطات . وقد أشير في هذا السياق إلى كتاب الجوهرة في نسب الشيخ يعزى ويهدى الأسّاوي البكري وأحفاده البررة باعتباره من المصادر الخاصة بهذا النسب البكري .
من أسا إلى حاحا:
كانت أسرة الدكتور عبد الهادي حميتو الاساوي تقطن بمنطقة اسا جنوب المغرب قبيلة آيتوسا بزاوية آسا، قبل أن تعرف مرحلة من الهجرة والاستقرار في منطقة حاحا جنوب المغرب.
وتفيد الرواية العائلية و الوثائق التي وقفنا عليها بأن الأسرة نزحت، خلال فترة الفتن التي أعقبت سنة 1050هـ، إلى منطقة قبيلة آيت تامر، إحدى قبائل حاحا بضواحي مدينة أكادير، حيث استقرت الأسرة واستمر وجودها إلى العصر الحديث.
كما تشير المصادر العائلية إلى وجود أوقاف محبسة مرتبطة بالأسرة في المنطقة، يعود تاريخ بعضها إلى سنة 1085هـ، وهو ما يمثل، وهي شاهد مهم على استقرار الأسرة وحضورها الاجتماعي والعلمي في تلك المنطقة.
وقد أُحيل في هذا الباب إلى كتاب المتعة والراحة في أعلام حاحا.
المولد والنشأة الأولى:
ولد الشيخ الدكتور عبد الهادي بن عبد الله حميتو سنة 1362هـ الموافق 1943م بمنطقة الكريمات بضواحي الصويرة.
نشأ في بيئة علمية وقرآنية، وبدأ تعليمه الأول على يد والده رحمه الله، حيث حفظ القرآن الكريم وأتم ختمته الأولى، قبل أن ينتقل إلى عدد من الشيوخ والمدارس العلمية التي كان لها أثر بالغ في تكوينه العلمي.
فأخذ عن الشيخ بوجمعة بن الصديق، ثم عن الشيخ الجليل محمد بن إبراهيم الزغاري المقرئ بمنطقة البئر الفائض، وكان من أهل الإقراء والعناية بعلوم القراءات والرسم والضبط.
وقد درس عليه جملة من العلوم والمتون، من بينها الروايات القرآنية، ونصوص ابن بري والخراز والشاطبية وتحفة المنافع والمدغري والوهراني، إضافة إلى عدد من المتون والمنظومات المتعلقة بالرسم والضبط والقراءات والوقف والفواصل والمتشابهات وغيرها.
وقد تلقى هذه العلوم إلى جانب أخيه عبد الحميد، في مرحلة مبكرة أسهمت في بناء شخصيته العلمية وترسيخ عنايته بعلوم القرآن والقراءات.
من بلمقدم إلى مراكش:
انتقل بعد ذلك إلى كتاب الشيخ الحسن بن علي المتوكي رحمه الله في زاوية بلمقدم، وهي قرية قريبة من شيشاوة بضواحي مراكش.
ثم توجه إلى منطقة سيدي العربي، حيث درس على الشيخ محمد بن إبراهيم الباعمراني رحمه الله، وتلقى عنه علوم اللغة والنحو والفقه ومبادئ العلوم الشرعية.
وفي سنة 1957م، انتقل والده رحمه الله به إلى مدينة مراكش، وسجله في كلية ابن يوسف، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته العلمية.
وقد أتاحت له هذه المرحلة الاتصال بعدد من كبار علماء مراكش وشيوخها، فنهل من مجالسهم واستفاد من علومهم.
كما ظهرت موهبته الأدبية في هذه الفترة، إذ بدأ نظم الشعر وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، وتذكر ترجمته أن قصيدته الأولى ظلت مخطوطة بخطه، مع الإشارة إلى نية نشرها ضمن ديوانه.
الرحلة إلى القرويين بفاس:
بعد مرحلة مراكش، انتقل الدكتور عبد الهادي حميتو إلى جامعة القرويين بفاس، حيث واصل تحصيله العلمي واتصل بعدد من أعلام العلم، ومن بينهم الشيخ عبد الكريم الداودي رحمه الله والشيخ الحسيني وغيرهما.
وعُرف خلال هذه المرحلة بقوة الحفظ وسرعة الاستحضار وحضور البديهة، وهي صفات لازمته في مسيرته العلمية اللاحقة، واشتهر باستحضار عدد كبير من المتون والأشعار والقصائد.
وقد شكلت هذه الرحلة بين مراكش وفاس مرحلة أساسية في تكوينه العلمي، إذ جمع خلالها بين علوم القرآن والقراءات واللغة والفقه والأدب.
دار الحديث الحسنية والبحث الأكاديمي:
بعد زواجه، انتقل الدكتور عبد الهادي حميتو إلى مدينة الرباط، والتحق بـ دار الحديث الحسنية، حيث تابع دراسته على عدد من كبار العلماء والأساتذة، من بينهم الدكتور الهلالي، والدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، والدكتور الرحالي الفاروقي، وغيرهم.
وفي سنة 1979م حصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة، عن بحث بعنوان:
«اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام»
وكان هذا الموضوع امتداداً طبيعياً لتكوينه المبكر واهتمامه المتواصل بعلوم القرآن والقراءات.
بعد ذلك عُيّن أستاذاً مكوناً بالمركز التربوي الجهوي محمد الخامس بآسفي، وظل في مجال التربية والتكوين إلى أن أحيل على التقاعد سنة 2008م.
الدكتوراه في علوم القرآن والقراءات:
واصل الدكتور عبد الهادي حميتو مسيرته البحثية، وتوجها بالحصول على شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية من دار الحديث الحسنية سنة 1995م.
وكان موضوع أطروحته:
«قراءة الإمام نافع عند المغاربة»
وقد استغرق هذا العمل سنوات طويلة من البحث والدراسة، إذ تذكر ترجمته أنه قضى نحواً من خمس عشرة سنة في البحث والتقصي والتحقيق، في عمل يعكس عمق اهتمامه بتاريخ القراءات القرآنية بالمغرب.
وقد أصبح هذا الموضوع من أبرز العناوين المرتبطة باسمه العلمي، لما تمثله قراءة الإمام نافع من مكانة مركزية في تاريخ التلاوة والتعليم القرآني بالمغرب.
مسؤوليات ومشاركات علمية:
إلى جانب التدريس والبحث والتأليف، تولى الدكتور عبد الهادي حميتو عدداً من المهام العلمية، وشارك في لجان ومؤسسات متخصصة في القرآن الكريم وعلومه.
ومن أبرز المسؤوليات والمشاركات المنسوبة إليه:
-أستاذ مكون بالمركز التربوي الجهوي محمد الخامس بآسفي، المغرب.
-عضو المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء.
-رئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية.
-عضو محكم في مباريات الترشيح للأستاذية في التعليم العالي بدار الحديث الحسنية وعدد من الكليات المغربية.
-عضو هيئة التحقيق لمشروع الفقه المالكي بالدليل في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة.
-عضو لجنة جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية.
-عضو اللجنة الوطنية لجائزة محمد السادس لحفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره.
-عضو لجنة التحكيم في مسابقة الملك عبد العزيز آل سعود الدولية لحفظ القرآن الكريم وتفسيره وتجويده بمكة المكرمة، خلال عدد من الدورات.
-عضو لجنة التحكيم في المسابقة الدولية لحفظ القرآن الكريم وتجويده وتفسيره في مصر.
-عضو لجنة التحكيم في المسابقة الدولية لحفظ القرآن الكريم بالقدس الشريف، التابعة لوزارة الأوقاف الفلسطينية.
-عضو لجنة التحكيم في مسابقة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم.
وتعكس هذه المشاركات اتساع دائرة حضوره العلمي، ولا سيما في مجال القرآن الكريم وعلوم القراءات والتحفيظ والتجويد.
مؤلفاته وإنتاجه العلمي:
خلّف الدكتور عبد الهادي حميتو إنتاجاً علمياً في مجال القرآن الكريم والقراءات والتفسير، ومن أبرز الأعمال التي ارتبط اسمه بها:
-قراءة الإمام نافع عند المغاربة-
يأتي هذا العمل في مقدمة إنتاجه العلمي، وهو بحث موسع في تاريخ قراءة الإمام نافع وانتشارها بالمغرب، ودراسة مساراتها ورواياتها وأسانيدها ومكانتها في الحياة العلمية والتعليم القرآني المغربي.
كما ارتبط اسمه بعدد من البحوث والدراسات والتحقيقات في مجال القراءات القرآنية والرسم والضبط والتعليم القرآني، إضافة إلى اهتمامه بالتراث العلمي المغربي والمتون التي تلقاها عن شيوخه.
وفاته:
توفي الشيخ الدكتور أبو الحسن عبد الهادي بن عبد الله حميتو البكري في شهر رمضان مارس سنة 2026م، بعد مسيرة علمية طويلة امتدت لعقود، قضاها في التعليم والتكوين والبحث والتأليف وخدمة القرآن الكريم وعلوم القراءات.
وبرحيله فقدت الساحة العلمية المغربية أحد المهتمين بعلوم القرآن والقراءات، وأحد أبناء المدرسة المغربية التي حافظت على تقاليد الإقراء والتلقي والإسناد، وانتقلت فيها علوم القرآن من الشيوخ إلى التلاميذ عبر حلقات التعليم والمدارس العتيقة والمؤسسات العلمية الحديثة.
خاتمة:
تمثل سيرة الدكتور عبد الهادي بن عبد الله حميتو نموذجاً لمسار العالم المغربي الذي جمع بين التلقي التقليدي للقرآن وعلومه، والتعليم النظامي، والبحث الأكاديمي، والمشاركة في المؤسسات واللجان العلمية.
فقد بدأت رحلته من الكتاتيب وحلقات الإقراء في الجنوب المغربي، مروراً بمراكش والقرويين بفاس، وصولاً إلى دار الحديث الحسنية بالرباط، حيث واصل البحث والتخصص، قبل أن ينتقل إلى ميدان التدريس والتأليف والتحقيق والمشاركة في لجان القرآن الكريم داخل المغرب وخارجه.
وتبقى أعماله في مجال القراءات، وفي مقدمتها بحثه حول قراءة الإمام نافع عند المغاربة، جزءاً من مسار علمي ارتبط بتاريخ المدرسة القرآنية المغربية، وبجهود العلماء في حفظ هذا التراث وتوثيقه ونقله إلى الأجيال اللاحقة.
المصادر :
[1] الجوهرة في نسب الشيخ يعزى ويهدى الأسّاوي البكري وأحفاده البررة، وهو من المصادر العائلية المشار إليها في ترجمة الأسرة.
[2] المتعة والراحة في أعلام حاحا، وهو المصدر المشار إليه فيما يتعلق بتاريخ الأسرة واستقرارها بمنطقة حاحا والأوقاف المرتبطة بها.