مقالات وآراء

من أكبر الكفريات حين يتحول الخلاف الفقهي إلى سلاح سياسي

كتب: أمين الاميني

 

ليست المشكلة في أن يختلف الناس سياسيًا، ولا في أن ينتمي الإنسان إلى مشروع أو تيار أو رؤية أو دولة، فهذه طبيعة الاجتماع البشري.

المشكلة تبدأ حين يُستدعى الفقه من محرابه العلمي ليجلس في غرفة العمليات السياسية، وحين تتحول مسألة فقهية خلافية إلى تهمة، ويصبح الرأي الاجتهادي أداةً لتوزيع صكوك الوطنية والخيانة، أو الإيمان والانحراف، أو الحق والباطل.

لذلك اتركوا هذا الشيء قبل السخط وفوات الأوان وقبل غضب العامة والشعب لأنه في هذه المرحلة لا يعود الخلاف سياسيًا، ولا يبقى الفقه فقهاً.

إن من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات أن تُستخدم المسائل الفقهية المختلف فيها كوقود للصراع على السلطة أو النفوذ أو الجغرافيا أو الكيانات، فالمسألة التي اختلف فيها العلماء قرونًا، واجتهد فيها الأئمة، وتعددت فيها الأقوال والأدلة، لا يجوز أن تُنتزع من سياقها العلمي لتصبح شعارًا سياسيًا يُرفع في وجه الخصوم.

فالفقه ليس مخزنًا للذخيرة السياسية، والعالِم ليس موظفًا في معركة حزبية، والنص الشرعي ليس منشورًا انتخابيًا، والخلاف الفقهي ليس بطاقة تعريف سياسية.

والأخطر من ذلك أن يتحول الانتماء السياسي إلى معيار يُعاد على أساسه تفسير الدين نفسه: فإن وافق الإنسان توجهًا سياسيًا معينًا، أُحييت له الأقوال الفقهية التي تخدمه، وإن خالفه، أُخرجت له الأقوال التي تدينه، وكأن الحكم الشرعي يتغير بتغير موقع الشخص في الخريطة السياسية!
وهذا قلبٌ خطير للمعادلة؛ *لأن الشريعة حاكمة على الجميع، وليست أداة في يد الجميع*.

ليس المطلوب أن يتخلى الإنسان عن قناعته السياسية، ولا أن يتظاهر بأن الخصومة السياسية غير موجودة؛ من حق الناس أن يختلفوا، وأن يؤيدوا هذا المشروع أو ذاك، وأن ينتقدوا سياسات الآخرين، وأن يخاصموا سياسيًا وفكريًا، بل وأن يغيروا مواقفهم عندما تتغير قناعاتهم، لكن هناك حدًا لا ينبغي تجاوزه: أن تبقى الخصومة في دائرة السياسة، وألا تُجرَّد من أخلاقها، وألا تُلبس ثوبًا دينيًا زائفًا.

يمكنك أن تختلف مع خصمك السياسي دون أن تكذب عليه، ويمكنك أن تعارض مشروعه دون أن تفتري عليه، ويمكنك أن ترى خطأ موقفه دون أن تحوّل الخطأ السياسي إلى فساد ديني.

ويمكنك أن تنتمي إلى كيان أو دولة أو تيار، دون أن تجعل ذلك الانتماء فوق الحق والعدل لأن هذا سيسقطك ومشروعك في لحظة من اللحظات.

وهنا جوهر المسألة: الانتماء ليس تفويضًا مفتوحًا، فالإنسان قد ينتمي سياسيًا إلى ما يشاء، لكن انتماءه لا يمنحه رخصة لمخالفة الشريعة، ولا يبرر الظلم، ولا الكذب، ولا البهتان، ولا الاعتداء، ولا التحريض على الكراهية، ولا انتهاك الحقوق، وفي المقابل، لا يجوز لخصمه أن يجعل مجرد ذلك الانتماء سببًا لإسقاط كرامته أو اتهامه في دينه أو وطنيته.

القاعدة التي ينبغي أن تحكم الجميع بسيطة وعميقة:
نختلف سياسيًا، ولا نختلف على حرمة الظلم.

نختلف في المشاريع، ولا نختلف على حرمة الكذب.
نختلف في المواقف، ولا نختلف على حرمة البهتان.
نختلف في الانتماءات، ولا نختلف على أن الشريعة فوق الجميع.

والفقه نفسه يعلمنا أن الاختلاف ليس بالضرورة خصومة، لقد عرف تاريخ المسلمين اختلافًا واسعًا بين العلماء والمذاهب، ومع ذلك لم يكن مجرد اختلاف الرأي الفقهي موجبًا للتباغض أو القطيعة؛ بل إن التراث الفقهي نفسه رسخ آدابًا للتعامل مع المختلف واحترام الرأي المخالف في مسائل الاجتهاد.

ولهذا فإن استغلال الخلاف الفقهي في الصراع السياسي ليس مجرد خطأ في الخطاب؛ بل هو إفساد لطبيعة الفقه نفسه.

فالفقه حين يدخل مجال الاجتهاد يبحث عن الحكم، أما السياسة حين تستخدم الفقه لتصفية الخصوم فإنها تبحث عن الغلبة، والفرق بين الاثنين هائل.

الأول يسأل: ما الحكم؟
والثاني يسأل: كيف استخدم الحكم لمصلحتي؟
وحين تختلط الإجابتان، يصبح الدين ضحية والسياسة أكثر تطرفًا.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالدين أن نجعل منه أداة لإثبات أن جماعتنا دائمًا على الحق، وأن خصومنا دائمًا على الباطل، فهذه العقلية لا تنتج مجتمعًا متدينًا وتخالف شريعة الله تعالى، بل تنتج مجتمعًا مسيسًا للدين؛ كل فريق يفتش في كتب الفقه عن سلاح يطلقه على الفريق الآخر.

وهنا ينبغي أن يكون الموقف حاسمًا: لا يجوز شرعًا ولا أخلاقًا أن تتحول الخلافات الفقهية السائغة إلى ذريعة للعداء السياسي أو التحريض أو التجريم أو الاعتداء على الناس، أما إذا كانت المسألة متعلقة بحكم قطعي ثابت أو حق واضح أو جريمة حقيقية، فليس من الصحيح الاحتماء بالخلاف الفقهي للهروب من المسؤولية؛ فليس كل ما قيل في كتب الفقه حجةً لكل أحد، وليس كل خلاف معتبرًا بالدرجة نفسها.

والتمييز بين الخلاف السائغ والخلاف المردود أصل مهم في التعامل العلمي مع المسائل.

وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول الدعوة إلى احترام الخلاف إلى ذريعة لإلغاء الدين من الحياة العامة، فالمطلوب ليس فصل السياسة عن القيم، وإنما منع المتاجرة بالمقدس في صراع المصالح.

السياسة تحتاج إلى أخلاق، لا إلى فتاوى مفصلة على المقاس، والدولة تحتاج إلى القانون والعدل، لا إلى توظيف الخلافات المذهبية لإقصاء الناس، والكيانات السياسية تحتاج إلى مشروع يقنع الناس، لا إلى تخويفهم من خصومها باسم الدين.

والخصومة الشريفة ليست ضعفًا، بل ربما كانت أرقى صور القوة، أن تستطيع أن تواجه خصمك بالحجة دون أن تشتمه، وأن تنتقده دون أن تكذب عليه، وأن تختلف معه دون أن تنزع عنه إنسانيته، وأن تحاربه سياسيًا دون أن تستحل في مواجهته ما حرّم الله عليك تجاهه؛ تلك هي الخصومة التي تستحق الاحترام.

أما أن نبحث بعد كل خلاف سياسي عن قول فقهي قديم، ثم نحوله إلى تهمة جاهزة، أو نستدعي نصًا دينيًا لنمنح موقفنا السياسي حصانة مقدسة، فهذه ليست غيرة على الدين وهذا باطل وعدوان، وإنما قد تكون في حقيقتها استغلالًا للدين لحماية موقف سياسي.

الدين أكبر من الأحزاب، وأكبر من الدول، وأكبر من الكيانات، وأكبر من الأشخاص.

والشريعة تكون عظيمة ومقدسة عندما تبقى كما جاءت من عند الله وحين نسمح لها أن تحكمنا برضا وتسليم.

وهنا يكون الامتحان الحقيقي للانتماء:
هل أنتمي إلى موقفي حين يكون الحق معي فقط، أم أظل وفيًا للحق حين يكون الحق على خلاف موقفي؟
إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة في الخصومة: انتماء سياسي بلا تعصب، معارضة بلا تشهير، اختلاف فقهي بلا تحريض، وتدين بلا توظيف.

فليس المطلوب أن نتوقف عن الاختلاف؛ فهذا غير ممكن، المطلوب أن نتعلم كيف نختلف دون أن نحرق المجتمع معنا.

وليس المطلوب أن نتخلى عن انتماءاتنا؛ بل أن نفهم أنها انتماءاتنا السياسية بشرية قابلة للنقد والخطأ والصواب، وليست أديانًا جديدة.

ومن أراد أن ينتصر لكيانه أو مشروعه، فليكن انتصاره بالعدل والكفاءة والصدق وحسن السياسة، لا بتحويل الخلاف الفقهي إلى سلاح، ولا بتحويل الدين إلى جدار يحتمي خلفه من النقد.
فالحق لا يحتاج إلى خصومة قذرة كي ينتصر، والدين لا يحتاج إلى حزب يحميه، والشريعة لا تحتاج إلى تزوير الخلافات الفقهية كي تكون حاكمة على الناس.

وفي النهاية، قد تختلف الرايات، وتتعدد المشاريع، وتتغير التحالفات، وتتبدل المواقف السياسية؛ لكن ما ينبغي ألا يتغير هو ذلك الحد الأخلاقي الذي لا يجوز لأي كيان ولا لأي مشروع أن يتجاوزه:
لا طاعة في ظلم، ولا شرعية في كذب، ولا قداسة لانتماء بشري، ولا خلاف سياسي يبيح محرّمًا، ولا مصلحة لكيان تبرر الخروج على مبادئ الشريعة.

هذا هو الفرق بين سياسة لها أخلاق، وسياسة تستخدم كل شيء من أجل الغلبة.

زر الذهاب إلى الأعلى