مقالات وآراء

أعيدوا قادتنا الجنوبيين للجبهات..!

بقلم: صالح الفضلي

نعم، إنها صرختنا الجنوبية: أعيدوا قادتنا العسكريين إلى الجبهات لنستطيع صد الحوثيين. ولا تكونوا جزءاً من آلة الحرب الحوثية ضدنا. ولا تتوقعوا منا أن نسلم ثروات الجنوب لمن يريد السيطرة عليها بالقوة. سندافع عنها حتى آخر قطرة من دمائنا.
وقد لمستم ان التطورات العسكرية الأخيرة في مناطق سيطرة الشرعية لا تسمح بمواصلة إدارة الحرب بالطريقة القديمة. ففي الساحل الغربي وتعز إلى مأرب والجوف والبيضاء، اشتعلت الجبهات لبضعة أيام، في مشهد يوحي بأن تلك المناطق دخلت مرحلة عسكرية جديدة بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022. لكن ماذا حدث؟

افهموا يا هولاء ! لا يمكن أن نطلب من عشرات الآلاف من الجنود الجنوبيين القتال في الجبهات، بينما يظل الجزء المهم من قياداتهم العسكرية والسياسية مستبعدة عن الميدان أو خارج دائرة القرار وغرفة العمليات.
المسألة ليست شخصية أو مرتبطة بشخص بعينه، وليست اعتراضاً على وجود المسؤولين خارج البلاد في ظروف معينة، وإنما هي مسألة عسكرية بامتياز. فالجندي يحتاج إلى أن يشعر بأن قيادته موجودة معه، والقائد الميداني يحتاج إلى غرفة عمليات قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، والحرب تحتاج إلى قيادة ترى المشهد كاملاً وتربط بين مختلف الجبهات.
لذلك، فإن المطلوب اليوم هو إعادة بناء منظومة القيادة قبل إعادة بناء الجيوش.
نحتاج إلى غرفة عمليات مشتركة، وقيادة واضحة للجنوب حضور يتناسب مع حجم الجنود المنضويين في الجبهات، وسلسلة أوامر محددة، وتنسيق حقيقي مع التحالف، وتوزيع للمهام بين الجبهات. ويجب أن يكون معيار اختيار القادة هو الكفاءة والخبرة والجاهزية والقدرة على اتخاذ القرار، لا المحاصصة السياسية.
وهنا ينبغي الاستفادة الفعلية من القيادات الجنوبية التي راكمت خبرة قتالية وأمنية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها القيادات التي أثبتت حضورها في عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وحضرموت والساحل الغربي، منهم أبو زرعة المحرمي وهيثم قاسم طاهر وابوبكر حسين ومحمد قاسم هيثم، وباعوضة، والوزير، وأبوبكر حسين؛ وصالح بارجاش وعبد الرحيم عتيق وعلي لحمر وغيرهم من القيادات الميدانية القادرة على الإسهام في منظومة قيادة مشتركة.
والجندي، مهما امتلك من شجاعة، لا يستطيع أن يصنع نصراً استراتيجياً من دون قيادة عسكرية حقيقية وموثوقة.

ومطلوب إعادة النظر فيما فعلتم الأشهر العشرة الماضية بالقوة الجنوبية؟

على مدى سنوات، جرى التعامل مع القوات الجنوبية في كثير من الأحيان باعتبارها جزءاً من المعادلة السياسية، أكثر من كونها قوة عسكرية ذات خبرة يمكن توظيفها في مواجهة الحوثيين.
أنشئت تشكيلات جديدة، ودُربت قوات، وأنفقت أموال ضخمة، وتعددت الوحدات العسكرية والأمنية، بينما بقيت قوات وقيادات جنوبية تمتلك خبرة قتالية واسعة خارج دائرة القرار أو في مواقع لا تتناسب مع إمكاناتها.
والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن الجنوبيين دفعوا ثمناً كبيراً في هذه الحرب. فقد قاتلوا في عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة وحضرموت والساحل الغربي، وقدموا آلاف المقاتلين، وراكمت قواتهم خبرة ميدانية وأمنية لا يمكن تعويضها بسهولة.
فلماذا يُطلب من الجنوب أن يقدم المقاتلين عندما تشتد الحرب، ثم يُهمَّش حين يتعلق الأمر بالقرار والقيادة؟
هذه ليست دعوة إلى أن يقاتل الجنوب منفرداً، وليست دعوة إلى الانعزال عن بقية القوى المناهضة للحوثيين. بل هي دعوة إلى تمكين القوات الجنوبية داخل استراتيجية عسكرية وطنية واضحة، ومنحها موقعاً يتناسب مع حجمها وخبرتها وتضحياتها.
فالخطر الحوثي لم يعد شأناً شمالياً أو جنوبياً فقط. وإذا كان الحوثيون قد تمكنوا عملياً من السيطرة على معظم الشمال، وأصبحوا يشكلون تهديداً للممرات البحرية والإقليم بأسره، فإن مواجهة هذا الخطر تتطلب الاستفادة من كل قوة عسكرية جاهزة، لا تعطيلها بسبب الحسابات السياسية.

فعلوا بسرعة «الخطة ب»: التي بين أيديكم.
فالحرب لا تحتاج اليوم إلى جيش جديد بقدر ما تحتاج إلى إعادة تنظيم القوات الموجودة.
لقد أنفقت سنوات وأموال هائلة في إنشاء تشكيلات متعددة، ولذلك فإن الحل ليس تجنيد من هب ودب عن أبواب المساجد وبدون أي تأهيل عسكري. ، وإنما وضع الموجود منها في منظومة عمليات مشتركة.
وهذا ما يمكن أن نطلق عليه «الخطة ب»: تمكين ألوية العمالقة، والنخب الحضرمية والشبوانية، والقوات الجنوبية في درع الوطن، وألوية المجلس الانتقالي، وغيرها من القوات التي أثبتت كفاءة قتالية حقيقية، ووضعها جميعاً ضمن غرفة عمليات واحدة.
ليس المطلوب أن تعمل هذه القوات كل واحدة لحسابها، بل العكس تماماً: قيادة واحدة، غرفة عمليات واحدة، أهداف عسكرية واضحة، وتوزيع دقيق للمهام بين الجبهات.
وعندها يمكن أن تتحول الخبرات المتراكمة لدى القيادات الجنوبية إلى قوة حقيقية في المعركة، بدلاً من أن تبقى هذه الخبرات موزعة أو معطلة بفعل الخلافات السياسية.

لذلك نقولها بوضوح:
أعيدوا قادتنا الجنوبيين إلى الجبهات.
أعيدوا إليهم دورهم العسكري، واستفيدوا من خبراتهم، ووحدوا القوات القادرة على القتال في غرفة عمليات مشتركة، واجعلوا معيار القيادة الكفاءة لا الولاءات والمحاصصة.
فالمعركة المقبلة لن تحسمها كثرة البيانات ولا تعدد التشكيلات، وإنما تحسمها قيادة تعرف ماذا تريد، وقوات تعرف أين تقاتل، وقرار عسكري قادر على التحرك في اللحظة المناسبة.
دعوا الجنوب يكون شريكاً في القرار.
أعيدوا قادتنا إلى الجبهات… ودعوهم يقاتلون كما قاتلوا دائماً: من أجل أرضهم، وأمنهم، ومستقبل أرضهم.

زر الذهاب إلى الأعلى