حرب الاستنزاف

كتب: محمد دعوس السعيدي
اتقدم بنصائح الى قواتنا الجنوبية وقيادتنا السياسية والعسكرية بأقصى درجات الحذر، وألا تنجرّ إلى التقدم داخل الأراضي الشمالية في معارك لا تخدم بالضرورة أمن الجنوب ولا أهداف قضيته الوطنية.
الأولوية اليوم يجب أن تكون حماية حدود الجنوب وتأمين أرضه وشعبه، وتعزيز الجبهات الجنوبية بما يضمن عدم اختراقها أو تحويلها إلى ساحة لاستنزاف قواتنا. أما التوسع في جبهات الشمال، فيجب أن يخضع لحسابات سياسية وعسكرية دقيقة، لا للعاطفة ولا لضغوط الآخرين.
فالقوات الجنوبية ليست قوة فائضة يمكن الدفع بها إلى أي جبهة، بل هي رصيد استراتيجي للقضية الجنوبية، واستنزافها أو تفكيكها أو إضعافها يصب في مصلحة كل من لا يريد للجنوب أن يمتلك قوة تحمي قراره وأرضه.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه قيادتنا بوضوح: من المستفيد من دفع القوات الجنوبية إلى معارك بعيدة عن حدود الجنوب؟ ومن يضمن ألا تتحول هذه المعارك إلى فخ لاستنزافها وتدميرها تدريجيًا؟
لقد أثبتت التجارب أن القوى الإقليمية والدولية لا تمنح الضمانات السياسية بالمجان، والمواقف تتغير وفق المصالح. وحتى اليوم، لم نرَ ما يكفي من الضمانات العملية التي تؤكد أن هناك التزامًا حقيقيًا بمشروع الجنوب وحق شعبه في تقرير مستقبله، أو بمستقبل قواته الجنوبية كقوة وطنية مستقلة في قرارها ومهمتها.
لذلك، الحذر لا يعني الجبن، وعدم التقدم لا يعني التراجع، وحماية الحدود ليست انكفاءً عن المعركة؛ بل هي إدارة واعية للأولويات وحفاظ على القوة التي يحتاجها الجنوب لمواجهة استحقاقاته القادمة.
لا ينبغي أن نكرر أخطاء الماضي، ولا أن نسمح بتحويل قواتنا إلى ورقة تستنزف في معارك الآخرين، ثم نجد أنفسنا أمام جنوب بلا قوة تحميه.
الثبات الثبات على حدود الجنوب، وحماية قواته، والحفاظ على تماسكها، يجب أن يكون خطًا أحمر.
فالمعركة ليست في كثرة الجبهات، وإنما في حسن اختيار المعركة التي تخدم الجنوب، ومنع أي طرف من استخدام دماء أبنائه لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمستقبله الوطني.
الحذر ثم الحذر… والثبات ثم الثبات، حتى تتضح الصورة وتُحسم الأولويات..