الصناديق المغلقة .. دراسة في بنية العقل المغلق

كتب: الشيخ أحمد سعيد العمودي
في كل قرية وفي كل مدينة وفي كل حزب وفي كل جماعة هناك صناديق مغلقة، صناديق لا تفتح، صناديق أغلقت على ما فيها من أفكار قديمة وعصبيات قديمة وولاءات قديمة ثم أقفلت المفتاح ورمته في البحر، فلا هي تسمع ولا هي تبصر ولا هي تفكر، بل تردد وتدافع وتبرر بلا دليل ولا برهان، هذا هو المشهد الذي نراه كل يوم في عدن وفي اليمن وفي العالم العربي كله، مشهد الانقسام الحاد حيث كل حزب بما لديهم فرحون وكل جماعة ترى أنها الحق المطلق وغيرها الباطل المطلق.
بدأت الحكاية من اللغة نفسها، قال ابن منظور في لسان العرب مادة صندوق طبعة دار صادر بيروت الجزء السابع صفحة 312، الصندوق هو الوعاء المغلق الذي يوضع فيه الشيء فيحفظ ولا يرى ما فيه إلا بفتحه، فإذا بقي مغلقا بقي ما فيه محجوبا عن النور، وهذا هو وجه التشبيه البليغ الذي نحت منه هذا المصطلح، فالعقل المغلق هو الصندوق المغلق، أغلق على أفكار ورثها أو تعصب لها فلم يعد يقبل نورا جديدا، وجاء القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرنا فوصف هذه الظاهرة وصفا دقيقا لا يزال حيا إلى اليوم
قال تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 170]
قال الطبري في جامع البيان طبعة دار هجر الجزء الثاني صفحة 98، إن هذه الآية نزلت في وصف قوم يرفضون الدليل الجديد ويتمسكون بما وجدوا عليه آباءهم بلا دليل بل بالتقليد الأعمى، وقال ابن كثير في تفسيره طبعة دار طيبة الجزء الثالث صفحة 187، إن الله ذم في هذه الآية من عطل عقله واتبع آباءه بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير.
ثم وضع القرآن الميزان الذي يفتح هذه الصناديق
قال تعالى : ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 111]
فجعل البرهان هو الميزان وليس الكثرة ولا الولاء ولا الانتماء، وقال أيضا
قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: 6]
قال الطبري في تفسيره الجزء الحادي والعشرون صفحة 340، إن الله أمر بالتثبت وعدم قبول الخبر إلا بدليل لأن قبول الخبر بلا تثبت هو فعل أهل الجهل والعصبية، وهذا هو عين ما يفعله الصندوق المغلق اليوم ينشر كل ما تقوله جماعته بلا تثبت.
وإذا عدنا إلى التاريخ الإسلامي سنجد أن أول ظهور موثق لهذه الظاهرة كان مع الخوارج، قال ابن كثير في البداية والنهاية طبعة دار هجر الجزء السابع صفحة 281، إن الخوارج اعتزلوا جماعة المسلمين وأظهروا البراءة من علي ومعاوية وجعلوا يقاتلون الناس على فهمهم الخاطئ لقول الله
قال تعالى : ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾ [ سورة الأنعام: 57]
لا يرجعون إلى العلماء ولا إلى الصحابة بل يكتفون بفهمهم فقط، وقال الطبري في تاريخ الأمم والملوك طبعة دار التراث الجزء الرابع صفحة 64، إن عليا رضي الله عنه قال لهم حين رفعوا شعار لا حكم إلا لله، كلمة حق أريد بها باطل، فهذا أول توثيق تاريخي لظاهرة استخدام النص الحق لخدمة الباطل بسبب إغلاق العقل، ثم قال ابن كثير في نفس المصدر صفحة 284، إن عليا رضي الله عنه وأرضاه أرسل إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم فقال لهم جئتكم من عند صحابة رسول الله وليس فيكم منهم أحد فرفضوا الرجوع إلا قليل منهم، فهذا نص يثبت أنهم كانوا صناديق مغلقة لا تناقش ولا تفكر بل تدافع عن فهمها فقط حتى لو خالف فهم الصحابة كلهم.
ثم ظهرت الظاهرة في صورة التعصب المذهبي في العصر العباسي، قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس طبعة دار الكتب العلمية صفحة 112، ومن تلبيسه على المتعصبين للمذاهب أن أحدهم يبلغه الحديث عن رسول الله بخلاف مذهبه فيرده ويقول لا آخذ به لأن إمامي أعلم مني بهذا الحديث، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء الجزء الخامس عشر صفحة 89، إن التعصب للمذهب يعمي ويصم حتى يرى المتعصب الحق باطلا والباطل حقا، ثم جاء ابن خلدون ففسر الظاهرة بنظرية العصبية التي هي الأساس النظري لمصطلح الصناديق المغلقة، قال ابن خلدون في المقدمة طبعة دار الفكر صفحة 138 إلى 145، إن العصبية هي نزعة طبيعية في الإنسان تدفعه إلى أن ينصر قريبه وعشيرته وحزبه سواء كانوا ظالمين أو مظلومين فإذا اشتدت صار صاحبها لا يسمع إلا صوتها ولا يرى إلا حقها ويغلق عقله عن كل صوت آخر وهذا هو سبب الفرقة والفتن.
وفي العصر الحديث جاء علم النفس ليفسر كيف يصنع الصندوق المغلق في مصنع العقل الباطن، فجاء ليون فستنغر في كتابه الأصلي A Theory of Cognitive Dissonance منشور من جامعة ستانفورد 1957، وهو مرجع أكاديمي معتمد في كل جامعات العالم، قال في صفحة 2، إن الإنسان يحمل في داخله مجموعة من المعارف فإذا حدث تناقض بين معرفتين شعر بحالة من التوتر المؤلم سماها التنافر المعرفي، وقال في صفحة 18، إن الإنسان لا يتحمل هذا التنافر فيسعى إلى تقليله وأسهل طريقة ليست تغيير القناعة الأصلية بل تبريرها ورفض المعلومة الجديدة وتشويهها، وطبق نظريته في كتاب When Prophecy Fails منشور 1956 صفحة 4 إلى 28، حيث درس جماعة قالت إن العالم سينتهي في يوم محدد فلما لم ينته لم تترك معتقدها بل قالت إن إيماننا هو الذي أنقذ العالم فزادوا تعصبا، وهذا هو نفس سلوك الصندوق المغلق الحزبي إذا ظهر خطأ حزبه برره بأنه حكمة.
وجاء إريك هوفر في كتابه The True Believer طبعة 1951 صفحة 14 و 21 و 62، فقال إن الإنسان الذي يشعر بالنقص والفشل في حياته الخاصة يبحث عن ذات جديدة في جماعة أو حزب أو زعيم فيذوب فيها ذوبانا كاملا، وإن هذا الذوبان يجعله يهب نفسه للدفاع عن الجماعة لأن دفاعه عنها هو دفاع عن ذاته الجديدة، فإذا انتقدت جماعته شعر كأنك انتقدت وجوده شخصيا، لذلك يغضب غضبا شديدا إذا ناقشته لأنك لا تناقش فكرة عنده بل تهدد هويته، ثم جاء روبرت ميرتون في كتابه Social Theory and Social Structure طبعة 1968 صفحة 285، فقال إن الإنسان يحدد ما هو الحق وما هو الباطل ليس بناء على الدليل المجرد بل بناء على ما تقوله جماعته المرجعية، وجاء كاس سنستين في كتابه Echo Chambers منشور من جامعة برينستون 2009 صفحة 5، فقال إن وسائل التواصل صنعت غرف صدى كل جماعة تعيش في غرفتها تسمع صدى صوتها فقط وتظن أن العالم كله معها، وهذا هو الشرح الحديث لمصطلحك، وقال جوستاف لوبون في كتابه Psychologie des Foules الأصلية 1895 وترجمة عادل زعيتر سيكولوجية الجماهير صفحة 34، إن الفرد حين ينخرط في الجمهور يفقد ملكة النقد ويصبح قابلا للإيحاء فهو لا يفكر بل يردد ما تقوله الجماعة.
ولم يترك الإسلام هذه الظاهرة بلا علاج، بل وضع منهجا دقيقا لفتح هذه الصناديق
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ﴾ [ رواه مسلم في مقدمة صحيحه حديث رقم 5 ]
قال النووي في شرح مسلم الجزء الأول صفحة 75، إن هذا الحديث أصل في أن الإنسان لا ينبغي له أن ينشر كل ما يسمعه من جماعته بل يجب أن يتثبت.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ﴾ [ رواه البخاري حديث رقم 6952 ]
قال ابن حجر في فتح الباري الجزء الثاني عشر صفحة 324، إن هذا الحديث يهدم العصبية الجاهلية التي كانت تنصر القبيلة ظالمة أو مظلومة ويضع ميزانا جديدا وهو أن نصر الظالم يكون بمنعه من الظلم لا بتبرير ظلمه، وهذا هو الفرق بين الانتماء الحق والانتماء المغلق، ثم جاءت آية الفرقان التي بنيت عليها مشروعك
قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [ سورة الأنفال: 29]
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى المجلد العاشر صفحة 137، إن الفرقان هو نور يقذفه الله في قلب العبد يفرق به بين الحق والباطل وهو ثمرة التقوى وصفاء القلب فإذا فسد القلب بالتعصب انطفأ هذا النور، وقال ابن القيم في إعلام الموقعين الجزء الأول صفحة 69، إن الفرقان هو قوة في القلب يبصر بها الحق وأن المتعصب محجوب عنه لأنه نظر بعين الحزب لا بعين الحق.
وفي واقعنا اليوم نرى هذه الصناديق بأربعة أنواع، النوع الأول هو الصندوق الشخصاني الذي وهب نفسه لشخص يدافع عن شيخ أو زعيم ولو أخطأ، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء الجزء الخامس صفحة 82، إن منهم من غلا في شيخه حتى ادعى له العصمة
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ﴾ [ رواه البخاري حديث 3445 ]
والنوع الثاني هو الصندوق الحزبي، قال الكواكبي في طبائع الاستبداد طبعة دار النفائس صفحة 78، إن الحزب المستبد يصنع من أتباعه أبواقا تردد كلامه بلا تفكير ويسمي الطاعة العمياء التزاما ويسمي النقد خروجا عن الصف، والنوع الثالث هو الصندوق الجماعاتي، قال الشاطبي في الاعتصام الجزء الثاني صفحة 182، إن من علامات أهل البدع أنهم يتعصبون لجماعتهم تعصبا يعميهم عن الحق، والنوع الرابع هو الصندوق الأيديولوجي المستورد، قال مالك بن نبي في مشكلة الأفكار صفحة 45، إن الأفكار المستوردة إذا لم تمحص تصبح أصناما فكرية.
إن مشروع الصناديق المغلقة الذي أطلقته ليس مجرد مقال بل هو مشروع متكامل يقوم على نورين لا يفترقان، عقل متجرد يطلب البرهان ومرجعه
قال تعالى : ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 111]
وقلب تقي يطلب الحق ومرجعه
قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [ سورة الأنفال: 29]
فإذا اجتمع العقل المتجرد والقلب التقي انفتح الصندوق المغلق وتحول إلى منارة مبصرة كما سميته بمشروعي القادم منارات عدن، قال الغزالي في إحياء علوم الدين الجزء الأول صفحة 52، إن المناظرة إنما تكون لطلب الحق لا لطلب الغلبة فمن طلب الغلبة فهو متعصب وصندوق مغلق.