مقالات وآراء

من شوارع فرنسا إلى شوارع بلادنا.. ماذا يفعل الشباب بمستقبلهم؟

كتب: أ. د. مسعود عمشوش

في فرنسا، لا يبدو الشباب مستعدًا لأن يكون مجرد متفرج على القرارات التي تصنع مستقبله.
منذ أيام، خرج طلاب المدارس الثانوية إلى الشوارع في احتجاجات اتسعت لتشمل مئات المؤسسات التعليمية. وفي 2 أكتوبر، قالت وزارة التربية الفرنسية إن الاحتجاجات أو الاضطرابات طالت 564 مؤسسة تعليمية، بينما كان نحو 400 من المدارس والمؤسسات التعليمية مغلقًا. وبدأت الاحتجاجات أساسًا بسبب نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتدهور بعض المباني المدرسية، ومشكلات أخرى تتعلق بظروف التعليم.
لكن الاحتجاجات لم تخلُ من العنف والتخريب والمواجهات مع الشرطة، وهي ممارسات لا يمكن اعتبارها جزءًا إيجابيًا من الاحتجاج المدني. وقد أسفرت المواجهات عن اعتقالات وإصابات، وأصبحت الحكومة تتعامل معها باعتبارها أزمة أمنية وسياسية أيضًا.
ومع ذلك، يبقى في المشهد جانب يستحق التوقف عنده: طالب فرنسي في الخامسة عشرة من عمره يعرف أن له حقًا في أن يسأل حكومته: لماذا لا أجد مدرسًا؟ لماذا أدرس في فصل مكتظ؟ ولماذا لا تتوافر لي بيئة تعليمية مناسبة؟
هذه ليست مسألة فرنسية عابرة، بل تعكس ثقافة سياسية واجتماعية ترى الشباب شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين لقرارات السلطة.
من مايو 1968 إلى أكتوبر 2026
والمشهد الحالي يستعيد، بصورة أو بأخرى، ذاكرة فرنسا الطلابية في مايو 1968.
ففي ذلك العام خرج طلاب الجامعات، ثم انضمت إليهم الحركة العمالية، وتحولت الاحتجاجات والإضرابات إلى أزمة وطنية هزت المجتمع الفرنسي وأربكت حكومة شارل ديغول..
لقد استطاع ديغول تجاوز أزمة مايو 1968، بل حقق أنصاره فوزًا كبيرًا في الانتخابات التشريعية التي أعقبتها. لكن الأزمة تركت أثرًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا. وفي أبريل 1969 طرح ديغول استفتاءً حول الإصلاح الإقليمي وإصلاح مجلس الشيوخ، وتعهد بالرحيل إذا رفض الفرنسيون مقترحاته. رفضها الناخبون بنسبة 52.4%، فاستقال في اليوم التالي.
وهكذا، فإن العلاقة بين مايو 1968 ورحيل ديغول كانت علاقة سياسية وتاريخية غير مباشرة، وليست علاقة سبب ونتيجة فورية.
لكن الدرس الأهم ظل قائمًا:
حين يتحول الشباب من جمهور صامت إلى قوة اجتماعية منظمة، يصبح من الصعب على السلطة أن تتجاهل أسئلته.
ماذا عن شبابنا العربي؟
هنا تبدأ المقارنة الأكثر إيلامًا.
فبينما نرى طالبًا فرنسيًا يخرج إلى الشارع محتجًا على عدد الطلاب في فصله أو على نقص مدرس أو على وضع مدرسته، نجد في أجزاء واسعة من العالم العربي شبابًا يواجهون مشكلات أكبر بكثير، ثم لا يتحول غضبهم بالضرورة إلى حركة اجتماعية منظمة للدفاع عن التعليم والعمل والخدمات والمستقبل.
وفي بلادنا تبدو المفارقة أكثر قسوة.
الشاب عندنا يستطيع أن يرى أمامه انهيار التعليم، وتراجع فرص العمل، وتدهور الخدمات، واتساع البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانسداد آفاق المستقبل، لكنه كثيرًا ما يجد نفسه أمام سؤال مختلف:
هل أحتج؟ ومن سيحميني؟ ومن سيستمع إليّ؟ وهل سيؤدي احتجاجي إلى تغيير شيء؟
وهنا تكمن المشكلة.
ليس المقصود أن الشباب عندنا لا يملك الشجاعة، فتاريخنا الحديث مليء بالشباب الذين دفعوا أثمانًا باهظة في الأحداث السياسية والحروب والاحتجاجات وقد كرس باصرة رسالة الدكتوراه لدراسة الحركات الطلابيةةفي المكلا حتى ١٩٦٦.
لكن المشكلة هي أن الطاقة الشبابية لا تتحول بصورة كافية إلى قوة مدنية منظمة ومستدامة للدفاع عن قضايا الحياة اليومية.
فالشاب عندنا قد يتحمس بشدة لقضية سياسية أو مناطقية أو حزبية، وقد يدخل في معركة إلكترونية شرسة للدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، لكنه قد لا يتحرك بالقوة نفسها من أجل جامعته، أو مدرسته، أو حقه في العمل، أو جودة التعليم، أو النقل العام، أو الكهرباء، أو المياه، أو البيئة.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة:
لدينا شباب كثيرون يتحدثون عن مستقبل الوطن، لكن قليلًا منهم يشاركون فعليًا في صناعة هذا المستقبل.
في فرنسا، يتحول نقص المدرسين أو تدهور المباني المدرسية إلى قضية عامة وسبب للاحتجاج، بينما قد يتعامل الطلاب في اليمن مع غياب المدرس أو افتقار المدرسة إلى أبسط مقومات التعليم باعتباره أمرًا معتادًا.
لماذا حدث هذا الفرق؟
ليس لأن الشاب الفرنسي أكثر شجاعة من الشاب اليمني، ولا لأن الشباب العربي أقل قيمة أو وعيًا.
الفرق يتعلق بدرجة كبيرة بطبيعة الدولة والمجتمع والمؤسسات وثقافة المشاركة المدنية.
الشاب الذي ينشأ في بيئة يعرف فيها أن الاحتجاج السلمي والنقابات والجمعيات والانتخابات والصحافة وأجهزة الرقابة أدوات مشروعة للتأثير، يتعلم تدريجيًا أن صوته يمكن أن يكون له أثر.
أما عندما ينشأ الشاب في بيئة يشعر فيها بأن القرارات تُتخذ فوق رأسه، وأن المؤسسات لا تستجيب، وأن السياسة محكومة بالصراع، وأن المطالبة بالحقوق قد تعرضه للخطر، فمن الطبيعي أن ينشأ لديه شعور بالعجز أو اللامبالاة أو الانسحاب.
وهنا لا ينبغي أن نلوم الشباب وحدهم.
المجتمع الذي لا يعطي شبابه أدوات المشاركة، لا يستطيع أن يلومهم إذا فقدوا الثقة بجدوى المشاركة.
لكن المسؤولية لا تنتهي هنا.
فالشباب أنفسهم مطالبون أيضًا بالخروج من حالة الانتظار.
لا يمكن أن نبقى نطالب الآخرين ببناء مستقبلنا بينما نحن نكتفي بمشاهدة المستقبل على شاشات الهواتف.
المطلوب من شبابنا والعربي ليس أن يقلد الشاب الفرنسي في إحراق الحاويات أو الاشتباك مع الشرطة.
بل العكس تمامًا.
فالاحتجاج عندما يتحول إلى تخريب، قد يفقد جزءًا من قوته الأخلاقية، وقد يجعل القضية الأصلية تختفي خلف صور العنف. وهذا ما حدث بالفعل في أجزاء من الاحتجاجات الفرنسية الحالية؛ إذ قالت تقارير إن أعمال العنف والتخريب طغت أحيانًا على المطالب التعليمية نفسها.
المطلوب هو أن نتعلم من الجانب المدني الإيجابي في التجربة:
أن نعرف حقوقنا.
أن نطالب بها.
أن ننظم أنفسنا.
أن ننتقل من الشكوى الفردية إلى العمل الجماعي.
أن نجعل التعليم والبطالة والكهرباء والمياه والطرق والصحة والنقل قضايا عامة.
وأن يفهم الشاب أن المواطن ليس مجرد شخص ينتظر الخدمة من الحكومة، وإنما هو أيضًا طرف في مراقبة الحكومة ومساءلتها.
ماذا لو فعل الشباب عندنا ذلك؟
تخيلوا، مثلًا، أن يتحول طلاب الثانويات في بلادنا إلى قوة مدنية سلمية تطالب بتحسين التعليم، وتقييم المناهج، وتوفير المختبرات، وربط الجامعات بسوق العمل، ومواجهة الفساد الأكاديمي، وتوفير فرص التدريب والبحث العلمي.
وتخيلوا أن يتحول الخريجون إلى قوة منظمة للمطالبة بفرص العمل، لا إلى جمهور ينتظر إعلانًا من جهة سياسية.
وتخيلوا أن يتفق شباب عدن أو سيئون أو المكلا أو لحج على أن الكهرباء والمياه والنقل والطرقات ليست قضايا هامشية، وإنما حقوق أساسية ينبغي أن تكون لها أجندة عامة ومساءلة مستمرة.
عندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث عن جيل جديد من الشباب العربي.
جيل لا ينتظر زعيمًا ليقوده.
ولا ينتظر حزبًا ليحدد له ماذا يريد.
ولا ينتظر جماعة مسلحة لتمنحه قضية.
بل يعرف ماذا يريد، ويعرف كيف يطالب به، ويعرف كيف يراقب من يحكمه..
فالبلدان لا تتغير فقط عندما تتغير حكوماتها.
أحيانًا تتغير عندما يتغير الشباب نفسه؛ عندما يتوقف عن سؤال: ماذا سيفعلون بنا؟
ويبدأ بالسؤال:
ماذا نستطيع نحن أن نفعل؟
وهنا، ربما يكون الدرس الحقيقي الذي يصلنا اليوم من شوارع باريس ومدن فرنسا:
المستقبل لا يُمنح للشباب مجانًا… وإنما ينتزع مكانه في جدول أعمال الدولة عندما يعرف الشباب كيف يطالبون به.

زر الذهاب إلى الأعلى