مقالات وآراء

​بيان على ورق ودولة في النفق عن خطاب رشاد العليمي وإعادة إنتاج الوهم

​كتب/ أنيس الصالحي

​في لحظة سياسية فارقة من تاريخ البلد خرج علينا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي رشاد فاصوليا ببيان خاوٍ ومدوٍّ أعلن فيه انتقال سلطته المأزومة من مرحلة التهيئة إلى مرحلة العمليات العسكرية الشاملة مبشراً الناس بـ استعادة المؤسسات وصرف المرتبات بأثر رجعي وإعادة الإعمار والتعافي
​غير أن هذا البيان وعلى الرغم من زيف مقدمته وبلاغة مفرداته المصنوعة يتهاوى صريعاً عند أول اصطدام بجدار الواقع المعيشي والميداني ليظهر كفقاعة إعلامية بائسة تحاول تغطية الفشل الذريع وتزييف الحقيقة والتكسب السياسي على حساب دماء ومعاناة شعب الجنوب

​1 الرواتب والإعمار وعود الشبع في زمن الجوع والتركيع
​يتحدث الخطاب بلسان الواثق عن خطة متزامنة لصرف رواتب الموظفين وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه فور استعادة المدن وهنا يحق لأبناء شعب الجنوب ولكل يمني يسكت عن هذا الهراء أن يسأل بسخرية مريرة عن أي رواتب وإعمار تتحدثون؟
​إن سلطة ارتهنت للغريب وعجزت لأشهر طويلة عن انتظام دفع رواتب المعلمين والأطباء ومنتسبي الجيش والأمن في عدن الباسلة وتعارض استقرار لحج وحضرموت والمهرة وتتلذذ برؤية المحافظات الجنوبية تعيش انهياراً غير مسبوق في سعر صرف العملة كيف لها أن تطلق الوعود الشاملة بدفع المستحقات التاريخية؟
​إن الأولى بمن يعجز عن إضاءة العاصمة عدن وتوفير وقود محطات الكهرباء لتجنيب شعب الجنوب وأطفاله لهيب الصيف القاتل أن يداري سوأة فشله ويصلح بيته الداخلي أولاً قبل أن يبيع الوهم والسراب للآخرين

​2. الوصاية الإقليمية السعودية لا تريد تحريراً ولا تعافياً للجنوب ولا اليمن
​توقف البيان مطولاً عند كيل الثناء والشكر المبتذل للرياض متجاهلاً الحقيقة الساطعة التي باتت جلية ومحفورة في وعي كل مواطن إن المملكة العربية السعودية لا تريد تحريراً ولا تسعى لتعافي اليمن ولا تسمح بكرامة لشعب الجنوب
​لقد أثبتت سنوات المماطلة وإدارة الأزمات أن الدور السعودي لم يكن يوماً لإعادة دولة أو حسم معركة بل لإبقاء الجميع مجردين من القرار السيادي ينزفون اقتصادياً وسياسياً ومكبيلين بأغلال الوصاية والإملاءات كيف يراهن الخطاب على حليف يمسك بخناق الاقتصاد ويكبل موانئ عدن ومطارات الجنوب ويمنع شعب الجنوب من الاستفادة من ثروات أرضه ونفط حضرموت وشبوة للنهوض والتعافي إن المراهنة على من يمارس سياسة التجويع والتركيع هي المأساة والخيانية الكبرى التي تتغافل عنها هذه السلطة الفندقية

​3. نموذج المحرر حرب خدمات وضغط على شعب الجنوب
​يؤكد البيان أن معركة الدولة ليست حرباً ضد المواطنين بل من أجل استعادة كرامة الإنسان لكن نجاح أي مشروع يُقاس بالنموذج الملموس على الأرض فما الذي قدمته هذه السلطة الرئاسية للمناطق التي تطلق عليها محررة والتي احتضنها شعب الجنوب وقدم لأجلها آلاف الشهداء
​حرب خدمات ممنهجة وسياسة تجويع تطحن شعب الجنوب والفئات الفقيرة ​انهيار مريع للعملة وغلاء فاحش يدمر القوة الشرائية للمواطن الجنوبي ​تدهور صحي وتعليمي وتعطيل متعمد لمؤسسات الدولة الحقيقية
​تغذية الانقسام والتآمر على المكونات الجنوبية التي حررت أرضها بدمائها ​إن الشعب في كافة المناطق عندما ينظر إلى العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية لا يرى نموذجاً لـ الدولة المنشودة بل يرى استهدافاً لكرامة شعب الجنوب وفوضى خدمية مصنوعة برعاية التحالف ورئاسة المجلس مما يجعل وعود الخطاب مجرد خطابة إعلامية رخيصة تفتقر لأدنى درجات المصداقية

​4. الهروب إلى الأمام والمتاجرة بتضحيات الجنوبيين
​إن لجوء القيادة السياسية إلى الخطابات الحماسية وإعلان حالة الاستنفار الشامل يعكس محاولة صريحة للهروب من الأزمات العميقة والتغطية على الفشل في إدارة المناطق المحررة
​كيف يُعلن النفير العام بينما ينقسم المجلس على نفسه وكيف تُساق المعارك برؤية تتجاهل تطلعات شعب الجنوب وحقه الناجز في أرضه وقراره إن محاولة الزج بأبناء الجنوب في معارك جديدة دون ضمان حقوقهم أو الاعتراف بقضيتهم الوطنية هو استمرار لنهج الاستغلال والمتاجرة بدماء الشهداء والجرحى

​خاتمة
إن استعادة الدولة والكرامة لا تبدأ بالبيانات المكتوبة في غرف الفنادق المغلقة ولا بتقديم فروض الطاعة لمن يمعن في إضعاف وتجويع شعب الجنوب وتكليل اليمن بأغلال الفقر إن الدولة والكرامة تُستعاد حين يمتلك الأحرار قرارهم السيادي وحين تتوقف حرب الخدمات وينال شعب الجنوب حقه الكامل في إدارة أرضه وتوفير كهربائه وصون كرامته أما دون ذلك فسيبقى خطاب العليمي مجرد حبر على ورق وهروباً مكشوفاً نحو أوهام لن تطعم جائعاً ولن تبني وطناً ولن تنخدع به إرادة شعب الجنوب الأبي

زر الذهاب إلى الأعلى