مقالات وآراء

كيف يمكن تحجيم آخر ذيول طهران في صنعاء؟

بقلم: صالح الفضلي

بعدما تلقّى المشروع الإيراني ضربات قاسية في لبنان، وتراجعت أذرعه في سوريا، وتعرّضت الميليشيات الموالية له في العراق لضغوط متزايدة، لم تعد طهران تمتلك في المنطقة أوراقًا بالوزن الاستراتيجي نفسه الذي كانت تمتلكه قبل سنوات. لكن ورقتها اليمنية لا تزال قائمة، بل ربما أصبحت أكثر أهمية في حساباتها من أي وقت مضى.
في صنعاء، وجدت إيران ما هو أبعد من جماعة مسلحة ترفع شعاراتها وتردد خطاباتها؛ وجدت سلطة أمر واقع تسيطر على مؤسسات دولة، فزودتها بترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وجعلتها تتحكم بواحدة من أهم بوابات الملاحة الدولية. وهكذا أضيف باب المندب إلى هرمز في معادلة الضغط الإيراني على دول الخليج والولايات المتحدة والغرب، وعلى الاقتصاد العالمي بأسره.
لقد انتقلت طهران من استراتيجية تعدد الأذرع إلى محاولة تعظيم قيمة الذراع اليمنية التي اصبحت بفضل تجميع كل الخبراء من ايران وحزب الله وسوريا والعراق في غاية القوة . فحين تتراجع أوراق طهران في ساحات أخرى، يصبح الحوثيون ورقة يصعب تجاهلها، ليس بسبب قوتهم العسكرية وحدها، بل بسبب الموقع الجغرافي الذي يتيح لهم تهديد الملاحة ورفع كلفة الصراع على خصوم إيران.
لكن المشكلة لا تكمن في طهران وحدها؛ فإيران لم تصنع كل شيء من الصفر. لقد وجدت في صنعاء وصعدة وأجزاء من شمال اليمن بيئة سياسية وعقائدية واجتماعية استطاعت أن تستثمر فيها، وأن تربط بين خطاب مذهبي تعبوي ومشروع للسيطرة على الدولة. ومن هنا، فإن التعامل مع المسألة باعتبارها مجرد تدخل خارجي إيراني لا يكفي؛ فالمواجهة تحتاج إلى تفكيك العوامل المحلية التي أتاحت لهذا المشروع التمدد والاستقرار.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: كيف نُخرج الخبراء الإيرانيين من صنعاء فحسب؟ بل: كيف نمنع إعادة إنتاج البيئة السياسية والعسكرية التي تجعل اليمن منصة دائمة لخدمة أجندة طهران؟
لا يمكن تحقيق ذلك ببيانات الشجب والإدانة، ولا بعمليات عسكرية متقطعة تنتهي عند خطوط تماس جديدة، ولا بترك القوى المناهضة للحوثيين تتصارع على النفوذ والمناصب والموارد. المطلوب مشروع سياسي واضح، وتوحيد القوى المناهضة للهيمنة الحوثية، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية، ومواجهة خطاب التعبئة الذي يبرر احتكار السلطة والسلاح باسم الحق الإلهي أو التفويض العقائدي.
أما الجنوب، فلا يجوز أن يُطلب منه أن يتحمل وحده كلفة المواجهة، بينما تُترك بقية الجبهات رهينة الحسابات الحزبية والعسكرية. لا بد من شراكة سياسية حقيقية تعترف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، وتمنحهم موقعًا واضحًا في أي تسوية، بدل مطالبتهم بالتضحية من أجل إعادة إنتاج دولة مركزية أثبتت تجربتها السابقة عجزها عن بناء شراكة عادلة.
ومن هنا، فإن استعادة صيغة الدولتين اللتين كانتا قائمتين قبل وحدة عام 1990، أو الاتفاق على صيغة سياسية جديدة تقوم على حق تقرير المصير، تصبح هي الحل الأمثل لتحجيم الذراع الإيراني في الجزيرة العربية والوطن العربي. وهذه إحدى القضايا التي ينبغي مناقشتها بجدية، لا باعتبارها وصفة سحرية لإنهاء النفوذ الإيراني، بل باعتبارها جزءًا من معالجة جذور الصراع اليمني، ومنع احتكار السلطة والثروة والسلاح من جديد.
فإضعاف المشروع الإيراني في اليمن لا يتحقق بتغيير الحدود وحده، ولا بإقصاء جماعة وإحلال جماعة أخرى مكانها؛ بل ببناء نظام سياسي يمنع توظيف الدولة في خدمة مشروع مذهبي عابر للحدود، ويضمن التعددية والشراكة، ويجعل قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا مستقلًا.
نعم إعادة دولة قوية في الجنوب هو الحل الأمثل لتحجيم الذراع الإيراني في الجزيرة وعلى المدى البعيد

زر الذهاب إلى الأعلى