ثورة الـ14 أكتوبر ..صباح ردفان الذي أشعل جبال الجنوب وانتهى برحيل بريطانيا من عدن

بقلم: الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
هناك ثورات تنفجر في العواصم وهناك ثورات تبدأ من جبل بعيد لا يعرفه أحد ثم تنزل كالسيل إلى المدينة وثورة الرابع عشر من أكتوبر من النوع الثاني في صباح الرابع عشر من أكتوبر عام 1963م في جبال ردفان الوعرة شمال لحج أطلق شاب واحد اسمه راجح غالب لبوزة أول رصاصة ضد دورية بريطانية فسقط شهيدا ثم سقطت بعده بريطانيا كلها التي حكمت عدن مائة وتسعة وعشرين سنة من 19 يناير 1839م حتى 30 نوفمبر 1967م فكانت أطول ثورة مسلحة في تاريخ الجزيرة العربية كلها أربع سنوات وشهر وستة عشر يوما انتهت بإنزال العلم البريطاني من فوق بيت المندوب السامي في التواهي ورفع علم الاستقلال.
عدن تحت الاحتلال 129 سنة
احتلت بريطانيا عدن في 19 يناير 1839م بحجة أن سفينة اسمها داريا دولت غرقت فأرادت بريطانيا ميناء تزويد فحم لسفنها القادمة من الهند فأرسلت الكابتن هينز S B Haines واحتل كريتر بثلاث سفن حربية وقتل 15 من أهل عدن في أول يوم.
وحولت عدن إلى مستعمرة تاج Crown Colony أهم مستعمرة بعد الهند لأنها تتحكم في باب المندب مدخل البحر الأحمر وبنت فيها الميناء والرصيف والمطار والمصافي في البريقة عام 1954م وكانت ثالث أكبر ميناء في العالم بعد نيويورك وليفربول في الستينات وكان فيها إذاعة وتلفزيون وصحف ومدارس نظامية قبل كل الخليج.
وقسمت بريطانيا الجنوب إلى قسمين عدن مستعمرة مباشرة والمحميات الشرقية والغربية 23 سلطنة وإمارة ومشيخة منها سلطنة لحج وسلطنة الفضلي وإمارة الضالع وسلطنة يافع وسلطنة القعيطي والكثيري وسلطنة المهرة وربطتها باتحاد سمي اتحاد الجنوب العربي Federation of South Arabia عام 1959م تحت حكم بريطانيا
وكان الجنوبيون يعملون عمالا في الميناء وجنودا في جيش الليوي Levies بينما الإنجليز يسكنون في المعلا وخور مكسر والتواهي.
وكانت هناك حركات نضال سلمي قديمة مثل جمعية الإصلاح العدني ورابطة أبناء الجنوب العربي ونقابات العمال بقيادة عبد الله الأصنج ولكن بريطانيا كانت تقمع كل مظاهرة بالرصاص.
وفي 26 سبتمبر 1962م قامت ثورة في صنعاء وأطاحت بالإمام البدر وأعلنت الجمهورية العربية اليمنية بقيادة عبد الله السلال فتشجع الجنوبيون وقالوا إذا تحرر الشمال من الإمامة فلنتحرر نحن من بريطانيا.
ردفان البركان الذي لا ينام
ردفان منطقة جبلية قاسية جدا في محافظة لحج اليوم تبعد 70 كيلو شمال عدن جبالها شاهقة ووديانها ضيقة وطرقها لا تمشي فيها السيارات وسكانها قبائل عنيدة لا تقبل الحكم الأجنبي وهم الردفانيون.
وكانت بريطانيا قد حاولت دخول ردفان عام 1929م و 1936م و 1956م وفشلت وسمتها الصحف البريطانية The Rebel Radfan أي ردفان المتمرد.
وفي عام 1963م زاد الظلم فرضت بريطانيا على قبائل ردفان ضرائب جديدة ومنعت حمل السلاح وأرسلت طائرات الهوكر هنتر Hawker Hunter تقصف القرى بالصواريخ.
وفي قرية دبسان في ردفان كان هناك رجل اسمه راجح غالب لبوزة من قبيلة القطيبي عمره 35 سنة كان جنديا سابقا في حرس السلطنة ثم أصبح فلاحا بسيطا وكان عضوا في الجبهة القومية للتحرير National Liberation Front التي تأسست عام 1963 سرا بقيادة قحطان الشعبي وفيصل عبد اللطيف.
اجتمع لبوزة مع خمسة من رفاقه في وادي المصراح في ردفان ليلة 13 أكتوبر 1963م ومعهم بنادق قديمة من نوع لي إنفيلد Lee Enfield وقرروا أن يهاجموا دورية بريطانية في الصباح لتكون بداية الثورة.
صباح الرابع عشر من أكتوبر أول رصاصة
في صباح 14 أكتوبر 1963م الساعة الثامنة صباحا كانت دورية بريطانية من جيش الاتحاد النظامي ومعها ضابط بريطاني تمر في طريق جبل البدوي في ردفان فهاجمها لبوزة ورفاقه وأمطروها بالرصاص وقتلوا جنديا وجرحوا آخرين فردت الدورية وأطلقت النار فاستشهد راجح غالب لبوزة في الحال أول شهيد لثورة أكتوبر.
وصل خبر استشهاده إلى عدن فانفجرت عدن كلها في نفس اليوم خرجت مظاهرات في كريتر والشيخ عثمان والمعلا بقيادة الجبهة القومية وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل FLOSY بقيادة عبد الله الأصنج وعبد القوي مكاوي وقامت الشرطة البريطانية بإطلاق النار.
وفي اليوم التالي 15 أكتوبر أصدرت الجبهة القومية بيانا من تعز قالت فيه إن الكفاح المسلح انطلق من ردفان وأنه لن يتوقف إلا برحيل الاستعمار.
وبدأت العمليات تتوسع من جبال ردفان إلى لحج وأبين وشبوة وحضرموت ثم إلى قلب عدن نفسها.
حرب الأربع سنوات في شوارع كريتر
كانت ثورة أكتوبر حربين في نفس الوقت حرب جبال في الريف وحرب شوارع في المدينة.
في الريف كان الفدائيون يهاجمون الثكنات البريطانية في ردفان والضالع وبيحان بقنابل يدوية ويزرعون الألغام على طريق عدن لحج ويهربون إلى الجبال وكانت بريطانيا ترد بقصف جوي عنيف بطائراتها من مطار خور مكسر العسكري وكانت تستخدم القنابل الحارقة.
وفي المدينة كانت الخلايا الفدائية السرية تعمل في كريتر التي كانت تسمى المدينة المحرمة لأن البريطانيين لا يدخلونها إلا بالمدرعات وكان الفدائيون يرمون القنابل على الجنود الإنجليز في شارع المعلا الرئيسي وشارع أروى في كريتر ويفجرون نادي الضباط البريطانيين في التواهي.
ومن أشهر العمليات عملية قتل المندوب السامي البريطاني السير آرثر تشارلز Arthur Charles في مطار عدن 10 ديسمبر 1963م بقنبلة رماها الفدائي خليفة عبد الله وجرح 50 بريطانيا.
وردت بريطانيا بإعلان حالة الطوارئ Emergency واعتقال 1000 شاب عدني في سجن المنصورة وسجن الجزيرة في التواهي وممارسة التعذيب.
وكان في عدن 3500 جندي بريطاني من فرقة الكتيبة الملكية وفرقة الاسكتلنديين ومعهم 10 آلاف جندي من جيش الاتحاد ومعهم طائرات ومروحيات ومع ذلك لم يستطيعوا السيطرة على كريتر التي أعلنها الفدائيون منطقة محررة في أغسطس 1967م.
وكان قادة الثورة في الجبال قحطان الشعبي وسالم ربيع علي ومحمد علي هيثم وغيرهم.
30 نوفمبر يوم الاستقلال
بعد أربع سنوات من القتال المستمر خسرت بريطانيا 200 جندي قتيل وأكثر من 1000 جريح وخسرت ملايين الجنيهات وقررت الحكومة البريطانية بقيادة هارولد ويلسون Harold Wilson الانسحاب.
وفي 30 نوفمبر 1967م في الساعة الثالثة بعد الظهر أنزل العلم البريطاني اليونيون جاك Union Jack من فوق مبنى المندوب السامي في التواهي ورفع علم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.
وغادر آخر جندي بريطاني من مطار خور مكسر الساعة 6 مساء وغادر المندوب السامي الأخير السير همفري تريفيليان Humphrey Trevelyan بالقارب من ميناء التواهي وهو يبكي.
وأعلن قحطان الشعبي أول رئيس للجنوب المستقل من مبنى البرلمان في التواهي.
وأصبح 14 أكتوبر عيدا وطنيا و30 نوفمبر عيد الاستقلال وسمي شارع في كريتر باسم الشهيد لبوزة وسمي مستشفى الجمهورية ومطار عدن ومدرسة ردفان.
لماذا نتذكر الرابع عشر من أكتوبر
إن ثورة 14 أكتوبر 1963م تذكرنا أن شابا واحدا من قرية دبسان في جبل لا يوجد على الخريطة يمكن أن يسقط إمبراطورية حكمت ربع العالم وأن جبال ردفان القاحلة التي لا ماء فيها ولا كهرباء يمكن أن تهزم طائرات الهوكر هنتر ومدرعات السنتوريون Centurion
وتذكرنا أن عدن كانت جوهرة التاج البريطاني وكانت أغنى من دبي وأبوظبي والكويت مجتمعة في الستينات ثم دمرتها الحروب بعد الاستقلال.
واليوم عندما تمر في كريتر عدن وترى العلم الوطني يرفرف فوق جبل صيرة وترى أطلال مبنى المندوب السامي في التواهي وترى قبور الجنود البريطانيين في مقبرة المعلا فاعلم أن ثمن تلك الأرض كان أول رصاصة أطلقها راجح لبوزة في صباح 14 أكتوبر 1963 في ردفان ومات بعدها بدقائق ليحيا شعب كامل.
بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي