مقالات وآراء

المثقف العربي في زمن الخطر.. أين الموقف؟

كتب: أ. د. مسعود عمشوش

من السهل أن نلمس اليوم مفارقة موجعة في المشهد الثقافي العربي الراهن: فكلّما اشتدّت الأخطار المحدقة بالأوطان، ازداد كثير من المثقفين ابتعادًا عن السياسة، وكأنهم اكتشفوا فجأة أنّ الصمت فضيلة، وأنّ الحياد ملاذ آمن، وأنّ بوسع المرء أن يظلّ مثقفًا كامل الأهلية بينما العالم من حوله يتصدّع، والأوطان تتنازعها المشاريع، والمجتمعات تُدفَع إلى حروب لا تعرف نهاياتها.

لقد بات بعض مثقفينا يتقنون فنّ الوقوف على مسافة واحدة من كلّ شيء؛ يراقبون الحرائق من نوافذ أبراجهم العاجية، ويكتبون عن الحرية في المجرّد، والكرامة في المطلق، والإنسان في الكتب، لكنهم يتلعثمون حين تصبح الحرية قضية وطن، والكرامة موقفًا سياسيًا، والإنسان ضحية مشروع توسّعي يهدّد حاضر المنطقة ومستقبلها. وكأنّ الثقافة والأدب والشعر، في نظر هؤلاء، نشاط ذهني معزول عن مصائر البشر، أو ترف جمالي يمكن ممارسته بينما التاريخ يكتب صفحاته بالدم.

فهل فقد المثقف العربي شجاعته، أم أنه أعاد تعريف دوره بما يتناسب مع مصالحه ومخاوفه؟

في ستينيات القرن الماضي، لم يكن المثقف العربي يعيش في جزيرة معزولة عن العالم. كانت أفكار جان بول سارتر تتجاوز حدود الفلسفة والأدب لتطرح سؤال المسؤولية: هل يجوز للكاتب أن يتذرّع باستقلاله الإبداعي كي يتنصّل من قضايا عصره؟ لقد دافع سارتر عن فكرة المثقف الملتزم الذي لا يكتفي بوصف العالم، بل يتحمّل مسؤوليته تجاه تغييره، ولا يتعامل مع الكلمة باعتبارها زينة للواقع، وإنما باعتبارها قوة في مواجهته.

وفي فرنسا، جاءت انتفاضة مايو 1968 لتكشف عن قدرة الشباب والطلاب والمثقفين على زعزعة المسلّمات ومساءلة السلطة والنظام الاجتماعي والثقافي. وفي الصين، شهدت السنوات نفسها تحولات سياسية وجماهيرية كبرى، وإن اختلفت طبيعتها ونتائجها عن التجربة الفرنسية. ولم تكن تلك الأحداث متطابقة في شعاراتها أو أهدافها، لكنها أعادت، كلٌّ بطريقته، طرح سؤال العلاقة بين الفكر والسلطة، وبين المثقف والتاريخ.

وكان المثقفون العرب يتفاعلون مع هذه التحولات، ويتابعون معارك التحرر الوطني، ويناقشون قضايا الاستعمار والعدالة والولاء والهوية. اختلفوا في المواقف، وتباينت اجتهاداتهم، وأخطأ بعضهم في التقدير، لكنّ الثقافة لم تكن، في كثير من تجلياتها، منفصلة عن المعارك الكبرى التي خاضتها مجتمعاتهم.

أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أين ذلك المثقف الذي كان يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الصمت موقفًا، وفي الثقافة فعلًا يتجاوز حدود المهنة؟

إننا نعيش مرحلة تتجاوز فيها التحديات حدود الخلافات السياسية العابرة. فالتغوّل الإيراني في المنطقة، وما أفضى إليه من نفوذ عبر قوى مسلّحة وشبكات سياسية مرتبطة بطهران في لبنان والعراق واليمن، يطرح أسئلة جدية حول سيادة الدول، واستقلال القرار الوطني، ومستقبل المجتمعات العربية التي دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ونسيجها الاجتماعي. وما يجري في هذه البلدان لا يجوز اختزاله في سجال مذهبي، ولا في خصومة بين أنظمة، بل ينبغي النظر إليه من زاوية أوسع: زاوية الدولة الوطنية، وحقّ المجتمعات في تقرير مصيرها، ورفض تحويل الأوطان إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين.

وبالطبع، ليس المطلوب من المثقف أن يتحوّل إلى بوق لأيّ سلطة أو حزب، أو أن يمنح شيكًا على بياض لأيّ مشروع سياسي أو عسكري، أو أن يستبدل باستقلاله الفكري ولاءً أعمى. على العكس، إنّ أول شروط الالتزام الحقيقي أن يحتفظ المثقف بقدرته على النقد، وأن يرفض الاستبداد والفساد والهيمنة، أيًّا كانت مصادرها. لكنّ ثمة فرقًا شاسعًا بين استقلال الموقف والهرب من الموقف، وبين نقد الجميع بالتساوي والامتناع عن التمييز بين من يسعى إلى حماية الأرض والهوية التاريخية ومن يعمل على تفكيكها لحساب المستعمِر القديم والجديد، وبين الاختلاف السياسي المشروع وتبرير المشاريع التي تنتقص من سيادة الأوطان.

فالحياد ليس فضيلة في كلّ الظروف، كما أنّ الصمت ليس دائمًا علامة على الحكمة؛ فقد يكون أحيانًا اسمًا مهذّبًا للخوف، أو ستارًا للمصلحة، أو حيلة للهروب من استحقاقات اللحظة التاريخية.

والمفارقة أنّ بعض الذين يرفعون شعار استقلال المثقف عن السياسة لا يترددون في الاقتراب منها حين تكون الغنيمة والسفرات والكراسي ممكنة، أو حين تلوح فرصة للمنصب والظهور والتمويل. عندئذٍ تتراجع التحفظات النظرية، وتصبح المبادئ قابلة للتأويل، ويكتشف أصحاب المناطق الرمادية أنّ لهم مصالح واضحة، وإن لم تكن لهم مواقف واضحة.

وهنا لا نكون أمام مثقف مستقل، بل أمام مثقف انتهازي يتّخذ من الاستقلال قناعًا، ومن الحياد ملجأً، ومن الغموض وسيلة لتجنّب دفع ثمن الحقيقة. إنه يريد أن يحتفظ بامتيازات القرب من الجميع، من دون أن يتحمّل مسؤولية الوقوف مع أحد، وأن يظلّ مقبولًا لدى المتخاصمين جميعًا، حتى لو كان صمته يمنح الأقوى فرصة إضافية لفرض إرادته.

ولعلّ أخطر ما يصيب الثقافة ليس أن يخطئ المثقف في موقفه، فالأخطاء جزء من التجربة الإنسانية، وإنما أن يفقد شجاعة اتخاذ الموقف أصلًا، وأن يستبدل بالسؤال الأخلاقي حسابات المنفعة، وأن يتعامل مع مأساة وطنه كما لو كانت مادة بعيدة تصلح لمقال عابر أو ندوة موسمية.

إننا لا نطالب المثقف بأن يتخلى عن الكتاب من أجل البندقية، ولا بأن يستبدل بحرية التفكير طاعةً، بل نطالبه بألّا يجعل الكتاب جدارًا يحتمي خلفه من أسئلة الواقع. فالكلمة قد تكون أبلغ من الرصاصة، والفكرة قد تكون أبقى من انتصار عسكري، لكنّ ذلك لا يتحقق إلا حين تكون الثقافة منحازة إلى الإنسان وكرامته وحقّه في وطن آمن ومستقل.

وللشباب، قبل غيرهم، نقول: لا تتركوا المجال العام لمن يتقنون المتاجرة بمخاوف الناس ومصائرهم. فالسياسة ليست حكرًا على السياسيين، كما أنّ الثقافة ليست ملكًا لمن يكتفون بتفسير العالم بعد وقوع الكوارث. شاركوا في النقاش العام، واسألوا، وانتقدوا، وميّزوا بين الشعارات والحقائق، ولا تسمحوا لأحد أن يصادر مستقبلكم باسم الطائفة أو الحزب أو الزعيم أو المشروع العابر للحدود.

لقد آن الأوان كي يغادر المثقف العربي برجه العاجي، ويستعيد مكانه بين الناس لا فوقهم، وأن يدرك أنّ التاريخ لا ينتظر المترددين حتى يفرغوا من حساباتهم الخاصة.

فالوقت وقت مقاومة؛ لا مقاومة الفكر بالكلمة وحدها، بل مقاومة الخوف والتبعية والتضليل، ومقاومة كلّ مشروع يريد إخضاع أوطاننا وإلغاء إرادة شعوبنا.

فلا مكان، في زمن الأخطار الكبرى، لمثقف انتهازي أناني يريد أن يربح من الجميع، ويصمت أمام الجميع، ثم يطالب التاريخ بأن يشهد له بأنه كان مستقلًا.

فليكن لكم فيما يقوم به الطلبة في فرنسا اليوم أسوةٌ حسنة.

زر الذهاب إلى الأعلى