مقالات وآراء

هل يمكن أن تتبنى دول الخليج طريقاً منفصلاً للجنوب؟

بقلم: صالح الفضلي

 

لم تكن تغريدة الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله، يوم أمس 19 أكتوبر، مجرد رأي عابر في مستقبل الجنوب واليمن. فقد طرحت معادلة سياسية جريئة: الاعتراف الخليجي بدولة الجنوب العربي، ووقف دعم الحكومة اليمنية، وترك الشمال لصراعاته الداخلية، وعدم التعامل مع سلطة الحوثيين حرباً أو سلماً حتى إشعار آخر.

وبصرف النظر عن مدى تعبير التغريدة عن الموقف الرسمي الإماراتي، فإنها تفتح باباً واسعاً للتساؤل: هل بدأت أبوظبي ودول خليجية أخرى تفكر في طريق منفصل للجنوب؟ وهل يمكن أن تتبنى دول الخليج مقاربة جديدة تتجاوز مشروع استعادة صنعاء، وتتعامل مع القضية الجنوبية بوصفها مساراً سياسياً مستقلاً؟

من الصعب قراءة هذه الدعوة بمعزل عن التباينات السعودية الإماراتية في الملف اليمني. فالبلدان اللذان دخلا الحرب ضمن تحالف واحد لم تتطابق بالضرورة رؤاهما بشأن مستقبل اليمن، ولا بشأن شكل السلطة التي ينبغي أن تحكم الجنوب، ولا بشأن القوى التي تستحق الدعم والنفوذ.

وقد دفع الجنوبيون واليمنيون، أثماناً باهظة لهذه التباينات، التي تداخلت مع إخفاقات القوى المحلية وعجز الحكومة المعترف بها دولياً عن تحقيق أهداف الحرب. وبعد أكثر من عقد، لا يزال الحوثيون في صنعاء، فيما تتفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية والخدمية في صنعاء وعدن وحضرموت.

لكن هل تستطيع السعودية القبول بمعادلة تترك الشمال للحوثيين، وتفتح الطريق أمام قيام دولة جنوبية مستقلة؟

ليس هذا سؤالاً سهلاً. فالمملكة تنظر إلى سيطرة الحوثيين على صنعاء من زاوية أمنها الاستراتيجي وعلاقتهم بإيران، ولا يبدو أن مجرد فصل المسارين الشمالي والجنوبي كفيل بتبديد مخاوفها. كما أن ترك الشمال لسلطة الحوثيين لا يعني بالضرورة انتهاء تهديداتهم للجنوب أو لدول الخليج.

ومع ذلك، فإن استمرار الرهان على استعادة صنعاء عبر حكومة لم تتمكن، رغم الدعم السياسي والعسكري والمالي، من تحقيق هذا الهدف، يفرض مراجعة جدية للسياسات القائمة. فليس من المنطقي أن تبقى القضية الجنوبية رهينة مشروع لم تتضح نهايته، أو أن يُطلب من الجنوبيين انتظار تسوية الشمال إلى أجل غير معلوم.

هنا تكتسب تغريدة عبدالخالق عبدالله أهميتها، لا باعتبارها إعلاناً رسمياً عن تحول خليجي، بل لأنها تطرح احتمالاً يستحق النقاش: ماذا لو قررت دول الخليج التعامل مع مستقبل الجنوب باعتباره قضية مستقلة عن مسار التسوية مع الحوثيين؟

إن الاعتراف بدولة الجنوب العربي، إذا حظي بتوافق خليجي ودعم إقليمي ودولي، يمكن أن يشكل تحولاً تاريخياً. لكنه لن يكون كافياً بمجرده؛ فقيام دولة مستقرة يتطلب توافقاً جنوبياً حقيقياً، وشراكة عادلة بين مكوناتها، وضمانات دستورية لتوزيع السلطة والثروة، وفي مقدمتها حقوق حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى.

فالجنوب ليس مجرد ورقة في التنافس السعودي الإماراتي، وليس جائزة ترضية تُمنح لأحد الأطراف مقابل تنازلات في ملفات أخرى. إنه قضية سياسية ذات جذور تاريخية، وتطلعات لا يمكن تجاوزها بتفاهمات تُعقد بعيداً عن إرادة أبنائه.

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت دول الخليج ستتبنى تغريدة عبدالخالق عبدالله، بل ما إذا كانت ستنتقل من إدارة الأزمة إلى الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي.

فإذا كانت استعادة صنعاء قد تحولت إلى حرب مفتوحة بلا أفق واضح، فمن حق الجنوب أن يسأل عن مصيره، وألا يظل مستقبله معلقاً على رهانات الآخرين.

قد تختلف الرياض وأبوظبي على الطريق، لكنهما لن تستطيعا تجاهل حقيقة أن استقرار الجنوب يبدأ بالاعتراف بقضيته، وأن أي تسوية تتجاوز إرادة أبنائه لن تكون حلاً نهائياً، مهما تعددت الأطراف الراعية لها.

زر الذهاب إلى الأعلى