مقالات وآراء

هل تحولت الصحراء الغربية إلى بؤرة مواجهة إقليمية تتداخل فيها المصالح الأمريكية والروسية والفرنسية؟

كتب: صالح الفضلي

لم يعد النزاع حول الصحراء الغربية مجرد خلاف إقليمي بين المغرب وجبهة البوليساريو، أو امتدادًا للتنافس التقليدي بين الرباط والجزائر، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الدولية الكبرى، وتتداخل فيها المصالح الأمريكية والروسية والفرنسية مع صراع النفوذ في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي.
وقد كشفت التطورات الأخيرة في مجلس الأمن عن حجم هذا التداخل، خصوصًا بعد فشل المجلس، يوم أمس الجمعة 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو). فقد استخدمت موسكو حق النقض ضد المشروع الأمريكي الذي منح مقترح الحكم الذاتي المغربي مكانة أساسية في التسوية، بينما أخفق المشروع الروسي البديل، الذي دعا إلى تمديد ولاية البعثة دون تغييرات جوهرية، في الحصول على الأصوات اللازمة. وبذلك دخلت القضية مرحلة جديدة من الغموض، تزامنت مع انتهاء ولاية البعثة الأممية في 31 أكتوبر.
ولا يبدو هذا الخلاف مجرد اختلاف في الصياغات الدبلوماسية، بل يعكس تنافسًا على تحديد مستقبل المنطقة وطبيعة التسوية السياسية التي ينبغي أن تنهي نزاعًا مستمرًا منذ نحو نصف قرن.
فالولايات المتحدة، التي اعترفت إدارة دونالد ترامب الأولى في ديسمبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، تواصل دعم الموقف المغربي، انطلاقًا من اعتبار الرباط حليفًا استراتيجيًا مهمًا في شمال أفريقيا، وشريكًا في التعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب، فضلًا عن موقعها الجغرافي المطل على المحيط الأطلسي والقريب من منطقة الساحل. كما أن واشنطن تسعى إلى تعزيز نفوذها في منطقة تشهد تراجعًا للحضور الغربي في بعض دولها، واتساعًا للتحركات الروسية. ومن هنا يمكن فهم إصرارها على جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسًا للتفاوض، ومحاولتها إعادة صياغة دور المينورسو بما يتناسب مع هذا التوجه.
في المقابل، جاء الفيتو الروسي ليؤكد أن موسكو لا ترغب في ترك ملف الصحراء الغربية حكرًا على الرؤية الأمريكية. فهي تعترض على فرض تسوية مسبقة لا تحظى بموافقة جميع الأطراف، وتتمسك ببقاء مبدأ تقرير المصير حاضرًا في إطار الأمم المتحدة. غير أن هذا الموقف لا يعني بالضرورة تبني روسيا مشروع استقلال الصحراء الغربية، بقدر ما يعكس حسابات أوسع تتعلق بموازين القوى الدولية، والحفاظ على نفوذها الدبلوماسي في شمال أفريقيا، خصوصًا في ظل علاقاتها الوثيقة بالجزائر، التي تعد من أبرز شركائها العسكريين والسياسيين في المنطقة.
أما فرنسا، فقد اتخذت خلال السنوات الأخيرة موقفًا أكثر وضوحًا في دعم المغرب؛ إذ أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون في يوليو 2024 أن حاضر الصحراء الغربية ومستقبلها يقعان في إطار السيادة المغربية، معتبرًا مقترح الحكم الذاتي أساسًا للتسوية. ولم يكن هذا التحول بعيدًا عن المصالح الفرنسية في المغرب، باعتباره شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا وبوابة مهمة نحو الأسواق الأفريقية. لكنه أثار في المقابل غضب الجزائر، التي رأت فيه انحيازًا فرنسيًا للموقف المغربي وتراجعًا عن الموقف الذي كانت تتمسك به باريس تجاه حق تقرير المصير.
وهكذا تجد فرنسا نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تريد تعزيز شراكتها مع المغرب، لكنها لا تستطيع تجاهل ثقل الجزائر ومصالحها في ملفات الطاقة والهجرة والأمن والساحل الأفريقي. ولذلك فإن تقاطع الموقف الفرنسي مع الأمريكي في دعم المغرب لا يعني بالضرورة تطابق حسابات البلدين في جميع تفاصيل الملف.
وفي خضم هذا التجاذب الدولي، تظل الجزائر والبوليساريو طرفين أساسيين في النزاع، وليستا مجرد ورقتين في لعبة القوى الكبرى. فالجزائر ترى أن حسم القضية وفق الرؤية المغربية سيعزز موقع الرباط الإقليمي ويؤثر في ميزان القوى المغاربي، بينما تخشى البوليساريو أن يؤدي اعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الخيار الوحيد للتفاوض إلى إغلاق الطريق أمام مشروع الاستقلال الذي تتمسك به.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: هل يؤدي فشل مجلس الأمن إلى تجدد الحرب بين المغرب والبوليساريو، وربما انتقال المواجهة إلى الجزائر؟
منذ انهيار وقف إطلاق النار عام 2020، ظلت الاشتباكات المحدودة بين المغرب والبوليساريو قائمة، وإن لم تتحول إلى حرب تقليدية واسعة. وقد يؤدي تعثر تجديد ولاية المينورسو إلى إضعاف الرقابة الدولية، وصعوبة التحقق من الوقائع الميدانية، وزيادة احتمالات التصعيد وسوء التقدير. أما دخول الجزائر في مواجهة عسكرية مباشرة مع المغرب، فيظل احتمالًا بالغ الخطورة، لكنه ليس نتيجة حتمية؛ فتكاليف الحرب وانعكاساتها على أمن البلدين واستقرار شمال أفريقيا تجعل التصعيد المباشر خيارًا مختلفًا تمامًا عن استمرار الدعم السياسي والعسكري الجزائري للبوليساريو.
إن ما تكشفه أزمة الصحراء الغربية اليوم يتجاوز حدود النزاع على الإقليم؛ فهي تعكس جانبًا من الصراع الدولي على النفوذ في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت موقع المغرب حليفًا محوريًا لها، وروسيا ترفض أن تنفرد واشنطن بتحديد مسار التسوية، فيما تحاول فرنسا حماية مصالحها التقليدية وموازنة علاقاتها مع المغرب والجزائر.
والخطر الحقيقي أن تتحول القضية من نزاع يبحث عن تسوية سياسية مقبولة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، بما يطيل أمد الصراع ويزيد احتمالات المواجهة العسكرية. وعندها لن تكون الصحراء الغربية وحدها المتضررة، بل ستجد منطقة شمال أفريقيا بأكملها نفسها أمام مرحلة جديدة من التوتر، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى التعاون والتكامل بدلًا من سباق النفوذ والتسلح.

زر الذهاب إلى الأعلى