مقالات وآراء

المتحري الخائب

كتب/د. عيدروس النقيب

ربما لم نكن بحاجة إلى مناقشة ما قدمه صاحب برنامج “المتحرِّي” على قناة الجزيرة في حلقته الأخيرة (17/10/2021م)، والمعنونة بــ”الأطماع المبكرة” من محاولات لإقناع مشاهديه بأن الإمارات العربية المتحدة تحتل جزيرة سقطرى، لولا ظهور شخصيات برلمانية وسياسية كنت شخصياً أتوقع أن لديها قدراً من المنطق والدقة أو على الأقل التحوط والكياسة في التعاطي مع القضايا والمعلومات الملتبسة، التي يحتاج التوقف عندها قدراً من الإلمام بمعطيات وحيثيات المشكلة وتاريخها وطبيعة المكان والزمان الذي يدور الحديث عنهما ويجري الحدث فيهما، ثم بعد ذلك لا بأس من توظيف القضية للأغراض الحزبية والآيديولوجية (إن هم أرادوا).
سأتجنب الخوض في موضوع “الاحتلال” لأن الذين يتحدثون عن هذه القضية يستندون على وجود عسكري لدولة الأمارات في الجزيرة ناهيك عن اعتبارهم كل قوة عسكرية لا يقودها ورثة النظام السابق الذين سلموا الشمال للحوثيين، هي قوات إماراتية، وبالتالي فهي قوة احتلال، حتى لو كان كل أفرادها وقادتها من مواليد الجنوب ومن سقطرى نفسها.
مثل كل برامج الجزيرة تمهد القناة للبرنامج بدعاية قوية توهم المتابع أن حلقتها التي تعلن عنها ستعرض استطلاعاً عن مجرة جديدة أو على الأقل عن كوكبٍ جديد في المجموعة الشمسية اكتشفهُ السيد ” المتحري”، ثم تقدم لقطات فيديو لصاحب البرنامج وهو يكشر عن وجهه ويحدق في جهاز اللابتوب أو يضغط على أحد أزرار لوحة المفاتيح أو يتصل بأحدهم عبر إحدى التطبيقات المرئية، وأحيانا وهو يحمل حقيبته عابراً أحد الشوارع ليوهم المتابع بأن أمراً جللاً سيقدمه بعد قليل، ثم بعد كل العناء والإنهاك الذي تتعرض له وأنت تنتظر الاكتشاف العظيم لن تجد إلا مجموعة من الأحاديث الزئبقية التي لا تستطيع أن تثق في صدقية ما تتضمنه، لأن صاحب البرنامج لا يقدم أي قرائن قاطعة على ما يقوله.
أعود وأقول إنني لا أتحدث عن موضوع “الاحتلال” لأن هذه المفردة من كثر ما لاكها مستخدموها صارت ممجوجة ومحل ازدراء حتى من قبل من لا يحبون دولة الإمارات، لكنني سأتناول هنا بعض السقطات التي وقع بها صاحب البرنامج وبعض ضيوفه.
• يستهل معد برنامج المتحري حلقته بمجموعة من ألأوراق والوثائق “الخطيرة جداً” التي قال أنه حصل عليها ومعظمها يتحدث عن زيارة مستثمرين ورجال أعمال إلى الجزيرة ورفع تقارير إلى السفارة الإماراتية في صنعاء والسلطات في أبو ظبي، ونلاحظ إلى إن معظم هذه الأوراق تعود إلى التسعينات من القرن الماضي وما قبل 2010م، أي في ظل سيطرة قوات الحكومة المركزية في صنعاء على الجزيرة، والسؤال: أين المنكر في هذا الأمر إذا كان آلاف الوفود التجارية والسياحية والاستثمارية تزور اليمن وتخطط للقيام بمشاريع استثمارية وتتخاطب مع بلدانها وممثلياتها، وهي بالتأكيد تعمل في ظل سلطة لم تكن مهاجرة حينها، وما ينطبق على المستثمرين ينطبق على الجمعيات الخيرية التي كانت أبواب كل اليمن مفتوحةً لها على مصاريعها منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي ولم يقل أحدٌ إن لها “أطماعاً مبكرةً” أو إنها تخطط لاحتلال اليمن؟ ولماذا سكتت “قناة الجزيرة” و”متحريـ”ها على كل هذا الدهر ولم تتذكره إلا في العام 2021م؟
• أطرف ما سمعته في هذا البرنامج قول الزميل على المعمري المحافظ السابق والنائب السابق ثم الحالي، أن رجل الأعمال الذي بنى مساكن ومشاريع خيرية في الجزيرة منذ العام 2007 هو أبو السفير الإماراتي في إسرائيل، يعني أن الرجل منذ عام 2007 كان يعلم أن دولة الإمارات ستقيم علاقات مع إسرائيل في العام 2020م وأن ابنه سيكون سفيرا لدى إسرائيل، فما علاقة هذا الحدث بذاك إن كنتم تعلمون؟
• بذل صاحب البرنامج جهداً خارقاً للحصول على شهود للاستعانة بهم في إدانة دولة الإمارات العربية المتحدة لكنهم خذلوا الرجل ومعه قناة الجزيرة من خلال تقديم الشكر والثناء على ما تقدمه دولة الإمارات من مشاريع ومساعدات وما تبنيه من منشآت حيوية، وحتى محافظ المحافظة (المهاجر) محروس يقول أن الضباط قدموا استقالاتهم والناس خرجوا يتظاهرون ضد تعيينه، بمجرد صدور قرار التعيين، وطبعا كعادة الشرعيات اليمنية، لا يتظاهر ضدها ولا يرفض سياساتها إلا عميلاً لدولة أجنبية وهي هنا دولة الإمارات العربية الشقيقة.
• كل الضيوف من الباحثين والمتابعين الأجانب لم يتحدثوا إلآ عن جمال الجزيرة وطبيعتها وتميزها وطبعا عن أهميتها الاستراتيجية والتجارية، ما عدا أحدهم تحدث بمفردات الإخوة قادة 1994م عن الانفصاليين والوحدويين، ما يعني أنه لا يعرف الجزيرة إلا ما بعد ذلك التاريخ وربما منذ اربع أو خمس سنوات وهذا ما يستشف من حديثه، بل ربما لم يكن قد ولد حين تعرضت الجزيرة للاحتلال مع كل مساحة الجنوب، وهذا الحديث لا يضيف شيئاً ذا قيمة نوعية مهمة لأغناء مضمون البرنامج ولم يكن “المتحري” بحاجة إلى الاتصال بهذا الرجل إلى باريس أو حيث يقيم، والأكثر من ذلك أن الرجل قد قدم شهادة ضد محافظ الجزيرة حينها رمزي محروس وقال إن متسلط وفاسد يعبث بثروات وأموال الجزيرة ويعتقل الصحفيين.
• “الإدانة الوحيدة” ضد دولة الإمارات الشقيقة التي قدمها صاحب برنامج “المتحري” هي أن جمعية خليفة للأعمال الإنسانية والهلال الأحمر الإماراتي قامتا ببناء مدارس ورياض أطفال ودور أيتام وأحياء سكنية ومراكز صحية وشقتا الطرقات وقدمتا وما تزالان تقدمان المعونات الإغاثية من أغذية وأدوية لأهالي الجزيرة، وهي أعمال تقدم إزاءها الوجهاء والمواطنون السقطريون الذين أراد صاحب البرنامج أن يشهدوا له ضد دولة الإمارات، تقدموا بالشكر للأشقاء الإماراتيين، لكن أحدهم قال إنه لا يثق في أي شيء تقدمه الإمارات، وقال حرفيا إنه “حتى كيس الرز وراءه عمل استخباراتي”.
• النائب علي المعمري، يقول في تعرضه لقوات الحزام الأمني في سقطرى “إن التوصيف القانوني لأية قوات لا تخضع لوزارة الدفاع والداخلية هو أنها مليشيات”،ونسي صديقي أن كل القوات المنتمية لوزراة الداخلية ووزارة الدفاع هي من سلمت المواقع العسكرية والمدن والمديريات ومحافظات بحالها للجماعة الحوثية، ونسي زميلنا العزيز أن يحدثنا عن ألوية الحشد الشعبي في تعز وحراس الجمهورية في الساحل الغربي وكتائب المقاتلين المتطوعين في آل حميقان والعبدية وحجور وعتمة التي أبلى بعضها بلاء حسناً في مواجهة القوات الحوثية لولا الخذلان المتعمد الذي تعرضت له من قبل الجيش ووزارتي الدفاع والداخلية اللتين يطالب القوات الجنوبية بالخضوع لهما، ونحن هنا نغض النظر عمن يدعم بعض هذه القوات التي لم تطلق رصاصة واحدة ضد العدو الإيراني وتتأهب كل يوم لخوض معركة أخرى لا علاقة لها بمواجهة الحوثيين، بل وربما بالتنسيق معهم.
• مندوب اليمن لدى اليونيسكو، الذي كتب ذات يوم عن الرئيس عبد ربه منصور هادي قائلاً” أنت خطيئتنا الكبرى ولعنتنا الأزلية”، يقول للمتحري إن بناء منشآت في سقطرى مخالفٌ ليس فقط للقانون اليمني ولكن للقانون الإنساني الدولي، والعجيبة أن أخانا لم يكتشف هذه المخالفات إلا عند الأعمال الخيرية التي تستهدف بناء المدارس والمراكز الصحية والطرقات وغيرها من المنشآت التي لم تعرفها سقطرى منذ احتلال عام 1994م، لكنه لم يقل لنا عن المعسكرات والفنادق والمشاريع الاستثمارية لزعماء الحرب والتي بنيت حتى بدون الحصول على تراخيص بناء من السلطات المحلية هناك، ولم يتحدث عن عمليات الجرف العشوائي للثروة السمكية التي قام به مستثمرو ما بعد 1994م وهي كلها أعمال لا تخالف القانون اليمني والدولي بل تخل بالتوازن البيئي وتلحق أضراراً بالغة بذلك التنوع الجميل الذي تتميز به الجزيرة منذ بدء الخليقة، لكن صاحبنا لم ينبس ببنت شفة طوال هذه العقود، لأن مرتكبي هذه الجرائم الحقيقية وليست المفبركة، لم يكونوا من الإمارات أو من الجنوبيين .
والخلاصة:
لم تفلح الجزيرة ولا متحريها ولا النفقات المهولة التي صرفتها على هذا النوع من البرامج أن تقنع أحدا بما يسعى الإخوان المسلمون للترويج له عن “احتلال الإمارات” لجزيرة سقطرى، وبالعكس قدمت دعاية مجانية لدولة الإمارات العربية المتحدة وما تقدمه من عون لأهالي سقطرى في المجالات: الإغاثي والخدمي والإنشائي والإنساني والتعليمي والأمني والتنموي، وهذا ما عبر عنه غالبية من استضافهم المذيع وما يسميه بــ”فريق البرنامج”.
أما بقية الأحاديث عن السيادة الوطنية، والقوانين اليمنية والدولية فهي تعبر عن تجاهل متعمد لوضع اليمن حيث الدستور معلق والبلد تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأن جزيرة سقطرى هي جزيرة جنوبية، يأتي وضعها ضمن وضع جميع المناطق الجنوبية التي عرفها كل العالم حتى 22 مايو 1990م باسم “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” والتي تعرضت للاجتياح والاحتلال في العام 1994م وهي منطقة نزاع حقيقي بين الشعب الجنوبي (وجماهير سقطرى جزء منه) وبين قوات 1994م التي يمثلها قلة قليلة أحدهم المحافظ محروس ومن يسير وراءه أو ما ينفذه من سياسات، وقد فعل الرجل خيراً إن غادر الجزيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى