– للألمِ ذاكرة

قصة قصيرة/ بقلم/ آلاء باسل
نقطن في أزقةٍ ضيقة ، على أرضٍ عريقة ، تحت سماواتٍ عريضة ، بين جبالٍ شامخة ، على بُعدٍ من الأمواج الملفوفة ببعضها ، في عمقها أسماك ثمينة ، مع بشر يقطنون بها منذ الأزل بلا فوضى ولا همجية.
.
.
.
المطر يهطل بغزارة، السماوات تُزمجر وتتشقق، الأرض ملتحفة البحر قائلة: بهدوء والرجاء يملؤها ، رويدًا رويدا ، إياك والانطلاق، لا تفعل رجاءً، يكفيهم سَحقًا، لا تكون عليهم أنت والبشر.
– وكأنهم تحالفوا مع البحر للقضاء عليهم بسهولة بلا ضمير أو شفقة، لكن القدر يُصيبُ من يشاء ويُنجي من يشاء.
انتهى ذلك اليومُ بهدوء الأمواج وتوقف الأمطار برحمةِ الله.
بعد مُدة …
بدأت الشوارع ترتفع بالأصوات القوية المزعجة، والضعيفة المؤلمة، والشمسُ بدأت ترينا قوتها بإخراج حرارتها بلا رحمة.
انتشر الخبرُ بسرعة البرق الجميع أصبح على ألسنتهم الحرب، أقبلت الحرب والعياذ بالله عَلا الصراخ ، وبكاء الناس يرتفع ، قال قائلٌ منهم: هيا لتعتكفوا المنازل، أسرعوا القذائف لا ترحم أحدًا هيا ، هيا.
توافدوا إلى البيوت بسرعة وخوف ولا أحد يعلم ما مصيرهُ ونصيبهُ من الحرب.
– لو كان الموت لما أحتموا، لكنها الحرب لا تُبقي ولا تذر لواحةٌ للبشر.
بغتة!
انطلقت نبرة صراخ من داخل المنزل: يقين ، دارين أين أنتم،
يُكرر ويصرخ على المدى وينادي اسميهما ببحةٍ مبكية يقييين، دارييين، كاد يُجن جُنونه أمسك على رأسهِ مع حزن يصاحب وجهه وانقباض قلبه : (( ربي لا تريني بهم بأسًا يبكيني ربي أرشدني إليهم ، الرجاء لك يا الله والتوددُ إليك أرجعهم لي سالمين غانمين لحُضني )) …فجأة .. لمعت ذاكرته وكأنهُ تذكر شيئًا جلل، قلبه توقف عن الضخ والبسط بآنٍ واحد، حدق بعينيهِ إلى فراغ ، أبعد ثُقل ساعديه على رأسه وانطلق مسرعًا إلى الباب كما لو أنَّه رأى صندوقَ كنز ، فتح مقبض الباب مع وقوع انفجار قريب منه، تراجع جسده قليلًا، أهتز بيته وسقطت منه حَصوات متفتتة، لم يعبأ بشيء ، ثم ركض ركضًا مفجعًا إلى سرداب خلف البيت فتح الشباك المشقق برجفة، زحف سريعًا بكلتا يديه، رأى صغيرتيه متغطيتين بالجروح الطفيفة ترتجفان وتشهقان، تقلصت عيناهما عندما رأتا ظلًا يتجهُ إليهما ثم صرختا عندما نظر إليهم وزحفا إلى حضنه مباشرة دون أدنى كلمة ، ثم احتضنهما بدقات قلبٍ واجفة وأمسكهما وأخرجهما بهدوء والفرحة في ثغره قد توسعت إلى المشرق ، والخوفُ لم يزل في قلبه ، عَتلهم وركض بسرعة إلى البيت وأقفله بإحكام.
من هنا من هنا يا أمي ، تعال إلى هنا يا بجاد أسرع يُكرر ويحرك بذراعيه اللتين امتلأتا جروحًا، يشير إلى محلٍ ليحتموا فيه ، جلست الأم متكئة على جدار أجرب وقلبها يجهش وأنفاسها تودُّ لو أنها تتحرر،
بجاد وأمجد يعلمان أنها الحرب لا مناص ، يرتعبان لكن لم تحرك أحشاءهم من مظهرهم شيئًا، القذائف لا ترحم تُصوب على المارة ، الرصاصات تعبث بالأجساد ، البيوت تسقطُ مغشية، أصوات الناس باكية ، والأرض وددت لو أنها توقف هذا الألم المصحُوب بالدماء المسكوب عليها.
توقفت أعاصير البشر لبرهة ، اغتنما الفرصة ثم ألتقط بجاد أمه، وأمجد يتفحص بعينيه الطريق يمنة ويسرى ينظر إلى كل زاوية محدقًا ، تفحص كثيرًا ثم سبقهُ صوت بِجاد السريع ما الأمر ؟ ، لم يرد عليه أمجد وخرج إلى الخارج ليتفحص أكثر ثم أُذن لهم بالخروج ، خرجا والصمتُ قرينهما والخوف على أكتافهم ، ساعدا والدتهم للطلوع على السيارة وكل فرد منهم أخذ مقعدهُ بهدوء سريع ، شغل بجاد المحرك وبدأ القيادة حتى السيارة أصابها الفزع تتجمد كلما وصلت إلى بقع مليئ فيها الدماء ، لم يكن الطريق بعيدًا لكن الجزع زاد المسافة وعورة ، وصلوا إلى بر أمانهم راكضين وسائر الجسد يرتع بالخوف ، ثم رمقهم الأب من على الشرفة وقذف نفسه إلى الباب، وفتح لهم وعند دخلوهم شعروا أنﱠ الهمَّ أنزاح قليلًا، بدأ الجميع يتبادلون أطراف الحديث بجدية وحزن ولم يكونوا يعلمون أنهم سيصلون إلى هذه الذروة من الحرب وبهذه الساعات القليلة تدحرجت ضحايا عديدة إلى المقبرة.
لم يكن أحد يعلم أن للوطن أبناء قساة يضطهدون أنفُس بعض ويسلبونها بدمٍ بارد ، الجميع مستغرب، حتى أوراق الشجر أصفرت فزعًا ، هل لأحدٍ من القناصة أن يشعر بقطرات الدم التي انسكبت فوق أم ثكلى ؟! ، هل للقذائف شعور لتشعر بالأرواح التي تصاعدت حدَّ الوجع ؟ هل للنار أمانة عندما رمت نفسها داخل الأجساد دون رقيب ؟ هل للشظايا آذان تسمع أنين الحواس؟ هل لدينهِم عليهم سلطان ؟ ، أم أن الشعور توارى ، والأمانات ذهبت ، والرقيب عدم ، والدين اتخذوه هُزوا ؟
يقين ودارين لم تزالا صغيرتين على حديث الحرب وقسوتها ، أما عن أمهما فكانت مريضة وقبل سقوط القذائف أخذها ولداها للمشفى.
الليل جنَّ وأشتد ظلامًا ، والصراصير تُطلق تسبيحًا عاليًا، والهدوء يقتبس من الليل غموضه ، والأنفس في المقابرِ تمكث ، والأرواح عند بارئها حية ، والأحياء يعانون صخب الموت.
لكن من يدرأ العذاب؟!
أشتدت المعاناة والأيام تتنافس بغلاظتها وضيقها ..
أنقف والوطن يحتضر ؟
أنقف ننتظر الأجل ؟
تاللهِ سنرجعها وعلى أرواحنا السكينة بالجنةِ فقط.
هكذا كانت كلمات الأب لأبنائه عندما همَّ بالقتال عن عرضه ودينه وموطنه ، ودع الجميع بحرارة وداعهُ هذا حزَّ في أنفسهم أنه ذاهب إلى الموت ولا رجعة إليهم ، وقف عند الباب ينظر إليهم البسمة توسعت حتى انكمشت عيناه، أما عن قلبه فهو شاخص له ألم ، ” دائمًا التعابير المُصطنعة لا يرضى عنها شروخ القلب ” نظر إلى بجاد وأمجد بعد أن قطب حاجبيه والجدية تخرج من شفتيه ، عزيزاي ولداي الشجاعان اللذان لطالما اتخذتهما حصنًا لي وقوة من بعدي إياكما والخروج إلى الحرب اعتنيا بأمكما وأختيكما جيدًا لأنكما أهلُ ثقة وذوا بأس شديد ، عيون الجميع امتلأت بدموع الفراق والوجع ومافيهم الأب الذي ينهار داخله بالدقيقة ألف مرة ، ودعهم وكانت النظرة الأخيرة التي يرونه فيها.
خرج الأب حتى انهاروا جميعًا ينتحبون بشكل مُفجع ، مُوجع ، مُدمر.
بعد صلاة الفجر…
الجميع في موقعه إشارة واحدة ثم بدأ الجميع بالخوض في حرب عادلة بين الطرفين بدون تراجع ” الشهادة أو النصر” الجميع ممسك عُدته باليمين منتظرين الاشارة التي تحدد مصيرهم ، عزيمتهم وحبهم للوطن والدين خفف عنهم هموم المسؤولية.
.
الأم وبجاد وأمجد ويقين ودارين ، مستيقظون يصلون ويدعون والرجاء بأكفهم وأعينهم تفيض من الدمع،
وفجأة !
تفجرت الحرب العنيفة مجددًا لكن هذه المرة كانت من الطرفين كر وفر
بدأت الرصاصات تلاطم بعضها بعنف والجميع على أعصابهم والرجاءات مازالت بأكفهم حاضرة استمرت المرادَّة
حتى الساعة الحادية عشرة بعنف ناهيك عن الصراخ العالي الذي يتبع.. جرحى ، جرحى ..
بعد الساعة الحادية عشرة سقطت الرجاءات..
كالعادة الحرب كفورة وخِلفتها دائمًا حضيضة ، دمار ثم موت ثم ذُل
لم تُبق ِ الأشجار التي تنامت على حب الماء والهواء
لم تبق ِ التراث الذي خلفه الأجداد
لم تبق ِ متنفسًا للبحر الذي كتمته بالدماء
لم تبق الطمأنينة داخل دفء الوطن
لم تبق ِ الأرواح بل أرسلت ملك الموت ليأخذهم
لم تبق ِ لنا أكسجين الغنى بل ثاني أكسيد الفقر ، والعطش ، والمجاعة ، والشتات !
لم تبق ِ لنا داخل الحياة حياة ولو قليلًا أفنتنا بحجة أنها فانية.
أما عن الاخبار التي تسابقت إلينا كانت أشبه بجبالٍ على صدورنا ومطارق على رؤوسنا حين قالها الموصي بثقلٍ وحزن ، إنَّ العم ماجد استشهد بقنبلة ، عظم الله أجركم وعفا الله عن أبيكم الشهيد البطل، هم السابقون ونحن اللاحقون ، أعطاكم الله الصبر والسلوان ، وذهب ولم يقل غير هذه الكلمات ، وددنا لو أنه يحدثنا عن أبي أكثر عن جثته وموقعه عن وعن ….إلخ
لم يصطبر بجاد وتبع الموصي وأمسكه من عنقه وهدده بالقتل لو لم يقل له أين جثته ، أجاب والحزن بارز عليه بحثنا عنها ولم نجد جثتهُ كررنا البحث طويلًا لكن يبدو أنﱠ القنبلة ناثرت أعضاءهُ أعذرني..
يجب أن أذهب لكن لا تنسوا أنﱠ لكم أبًا جميل الروح ، صادق الكلِم ، وقوي عند الشدة ، ورحيم عند العون ، لن ينسَ الله نصيبه من الجنة وذهب ، احتضنت بعضها عينا بجاد مواسية نفسها واحتدمت أُذناه لسماع الخبر المؤلم وارتخت شرايين القلب ، الخبر طرح نفسه كلهُ على عاتقه، حمل نفسه بخطوات ساحبة إليهم ..حتى وصل لهم وقال بصوت باكي هلع ، أنه استشهد ولم يجدوا لجثته أثر ، الجميع مذهول الأرض صامتة ، السحابات مذهولة ، أعينهم انهارت من هول الخبر لم يكن أحدًا يتوقع هذه النهاية ، لم يكن أحدًا يعلم أنﱠ للحرب قسوة صهيونية
الأم اتكأ نصفها على الجدار وبدأت بالنزلاق عليه فور سماع الخبر ثم سقطت مغشية لكن هل لأحدٍ أن يرى السقطة ؟!! لا أحد …الجميع في فلكه يلفح الجميع يتحرق شكلًا وعمقًا، كل خلية ودﱠت لو أنها تصرخ لتخفف العناء عنهم.
يقين صعِقت على الأرض لكن هل لأحدٍ أن يرى ؟!! لا أحد يرى الجميع في فلكه يلفح الجميع يتحرق شكلًا وعمقًا
دارين تجمدت في مكانها ثم أسندت نفسها على الجدار وجسدها يبرز انهيارًا مضنيًا وعيناها تحكي أسئلة لاغية (لماذا هو يا الله ، لماذا أبي بتحديد لماذا تجعلنا نتألم في مواطن أمننا لماذا يا الله )
أمجد جلس على الأرض ويداه في شعره قابض عليه وكأن مصيبة أقبلت عليه وجههُ يحكي بؤسًا ، حدقتاه متدفقتان ألمًا، وجسده ينبعث ضمورًا.
.
.
قررنا أنا وأمي وأخوتي الذهاب ليلتحفنا وطنًا أكثر أمنًا، لم يبقَ لنا شيء نعيش من أجلهُ ، لا مسكن ولا مأكل ولا مشرب ولا سند !
– لم يفقدوا فقط أباهم بل حتى مأواهم الذي كانوا يقبعون فيه ليستروا فضائح الحرب.
على عتبة الوطن تحدثنا!
اصطلينا على قاربٍ من الرضا ، تعودنا على شرور القدر ، وألتحفنا الهدوء ليُعدينا ، أصابتنا عينٌ وأصبح لأبناء بلدتَنا قلوب صلدة، عبسنا كثيرًاولكن لم نقنط ، رأينا الألم يتصاعد كالنار لكن لم يكن أحد هناك سوانا ، توقدنا لكن لم نجد أحدًا يُظلنا ، تذوقنا الوجل ، ارتوينا التوتر ، ارتدينا الألم ، إلتحفنا السقم ، لوﱠح لنا الأمان بعويل ، أشارت لنا الأيام السعيدة بالذهاب ، وهبطت التعيسة مع أفواج مصائب على حدود القدر ، عاتبَنا الوطن على أبوابهِ يوم كنَّا نرتحل لكن أومأنا برؤوسنا وعبسنا ، قال سنعيدها مجددًا إن مكثتوا ، لكن طأطأنا برؤسِنا واحمرت أعيُننا ، قال لا بأس تريثوا الفجرُ سيبزغ ، قلنا أيبقى فينا لحمٌ زائد ؟ وقلبٌ ناشط ؟ ودمٌ أحمر بعد هذا كله ؟ أتبقى العِزة مرفوعة ؟ أتبقى العيشة رغدة فسيحة ؟ أتبقى الورود متفتحة عطرة ؟ أتبقى الناس صادقة وطنية كعهدها القديم ؟ أتعود الفُتوة ؟ أتعود عدن الأبية ؟ أيعود البحرُ وأسماكه ؟ أيعود الزرع ونباته ؟ أتعود الحضارة التي سُحقت ؟ أتعود أرواحنا التي صعدت ؟ أيعودوا الموتى وهم في الثرى ؟ أيعود الذين أثملوا بالألم وظنوا أن لا مفر ؟ أيعود الذين شربوا القذى واكلوا الفُتات على يد الشر ؟ أتعود البيوت التي ظل سُكَّانها يعمِروها حتى أفنتهم الحرب ؟ أنعود والحرب قائمة كفورة؟ أنعود والأرض مكتظة بالغوائل ؟ أنعود بذل ؟!!
– إذن اذهبوا ولا تعودوا..
سنذهب الآن لكن لا ننسى أنﱠ لنا عزًا ننتمي إليه وينتمي إلينا ، سنذهب حقًا لنرتاح وتصُب علينا الدَّعة مجددًا ثم سنعود بجنودِ الأمل نفتحها من جديدٍ على أيديٍ من حديد ، سنُحرر أرواحنا من عبودية الألم ثم نعود إليك فاتحينها ، ناصرينها فصبرٌ جميلٌ واللهُ المستعان.
.
أأنتهت الحرب حقًا ؟
الحربُ يا عزيزي لا تنتهي ، الحرب تجري في ذاكرة البشر كل حينٍ وآخر !
إذن الحرب فتاكة يا جدتي.
هكذا كانوا أحفاد ماجد يسألون جدتهم وهم في كنف بلدةٍ أُخرى.
– تعلو الشرارات إلى العيون وتغلي الشرايين مع الأوردة ببعضها حين نرى مخلفات الحرب على وطنٍ هو نسلُ العرب.
– حين نصطدم بشيءٍ مريعٍ نتذكر ما فعلت بنا الحرب الغاشمة ، وحين نلقى ثوبًا أو عقدًل أو حذاءً غابِرًا نتذكر من ودعتهم الحياة ، وحين نرى المعالم في الدول الأخرى نتذكر أنﱠ حضارتنا دُفنت مع أقرانها الموتى ، إذن للألم ذاكرة تسترجع الأحداث القديمة بأشياء عميقة.