آداب وفنون

حلم للبيع.

قصة: عيشة صالح محمد

ذهب رشيد إلى الصيدلية المجاورة لمنزله فوجد هناك جاره مهران، سمعه يطلب من الصيدلي دواء مسكنا لألم الصداع، ويشكو قائلا: “آه يا رأسي، إنها الكوابيس لا تدعني أنام، مرة أحلم بالاختناق وأخرى أحلم بأن أحدهم يطاردني، ومرة أحلم أني أهوي في مكان سحيق، فأستيقظ ورأسي يؤلمني”. هنا تدخل رشيد قائلا:

يا لك من مسكين يا جاري، أيحدث ذلك كل ليلة؟.

رد مهران: نعم يا جاري العزيز، لا أرى سوى الكوابيس، ليت الأحلام الجميلة تشترى لاشتريت واحدا.” ثم ضحك.

قال رشيد:

“لمَ لا … أنا سأبيعك حلما جميلا”

ضحك مهران مرة أخرى ثم أخذ دواءه وكذلك فعل رشيد وغادرا الصيدلية معا، وعندما أصبحا بالقرب من منزليهما قال مهران:

“إنك تجاريني في دعابتي”

قال رشيد بحزم:

“لا لا يا مهران إني لا أجاريك في دعابتك، بالفعل سوف أبيعك حلما، ألا تعلم أن لي قدرة على إرسال الأحلام للآخرين إذا أردت”

أخذ مهران يتفحص ملامح رشيد الجادة وقارب على تصديقه، وقال:

“حقا تقول يا رشيد؟”

قال رشيد بنبرة جادة:

“نعم يا جاري العزيز”

وهنا تأكد مهران أن جاره يحدثه بجدية ولا دعابة في الأمر، فقال له:

“إذن بكم تبيعني حلما جميلا؟”

قال رشيد:

“الواحد بعشرين ألف ريال”.

قال مهران:

“أووه … ألا ترى أنه غالٍ؟”

رد رشيد:

“ليس بكثير مقابل أن تنام نوما هنيئا وتحلم أحلاما سعيدة”

فكر مهران قليلا ثم قال:

“معك حق، وسأتخلص من وجع الرأس، انتظرني قليلا سوف أجلب لك المال”

انتظر رشيد دقيقتين عاد بعدها مهران وبيده المال مده يده وهو يقول:

“هذه عشرون ألفاً كما طلبت مقابل الحلم الذي سترسله لي”

أخذ رشيد النقود. وقال لمهران:

“اطمئن ستنام الليلة بهدوء، ولن يزعجك أي حلم، بل ستصحو الصباح مبتسما من الحلم الجميل”.

فرح مهران وقال:

“إذا حدث هذا فعلا سأشتري منك أحلاما كثيرة”.

ثم تفرق الجاران وذهب كل منهما إلى منزله، وفي المساء استلقى مهران على سريره ينتظر النوم والحلم السعيد، وبعد ساعتين وهو يتقلب على فراشه داهمه النوم ونام، وبعد منتصف الليل بقليل استيقظ مفزوعا وهو يتنفس بصعوبة “أعوذ بالله ما هذا الكابوس، كدت أختنق” قالها مهران محدثا نفسه، ثم حاول النوم مرة أخرى، وظل يتقلب على فراشه ساعتين أخرى حتى نام مجددا.

في الصباح استيقظ مهران متعبا وحانقا على جاره رشيد، فتوجه إلى بيته ليعاتبه، قرع جرس الباب. فخرج رشيد يقول:

“مرحبا يا مهران، ما الذي جاء بك في الصباح الباكر؟”.

رد مهران بغضب:

“تسألني ما الذي جاء بي، وكأنك بريء، خدعتك هي التي أتت بي”.

قال رشيد:

“اهدأ يا مهران، لماذا أنت غاضب هكذا؟ لم أخدعك بشيء”.

قال مهران:

“بل خدعتني، قلت إنك سترسل لي حلما جميلا سعيدا، ولم أر سوى الكوابيس طوال الليل، أهكذا يفعل الجار بجاره؟”

قال رشيد:

“لم أخدعك يا مهران، لا بد أنك خالفت شروط تفعيل الحلم”.

قال مهران متعجبا:

“لم تخبرني من قبل أن هناك شروطا لتفعيل الحلم”.

سأل رشيد:

كيف نمت؟

رد مهران:

ماذا تقصد بسؤالك؟.

رشيد:

أقصد على أي وضعية نمت؟ على ظهرك، أم على بطنك، ام على جنبك؟

أجاب مهران:

“كنت نائما على بطني، وهذه عادتي”

قال رشيد:

“هذا هو السبب، لا تنم على بطنك مرة أخرى، وسترى بعدها أن حلمك الجميل قد أتى”.

قال مهران:

“حقا ما تقول يا رشيد؟”

رد رشيد:

“نعم … نم على جنبك الأيمن وسترى”

قال مهران:

“حسنا، سأفعل مثل ما قلت”

وفي المساء تقلب مهران ساعتين على  فراشه كما يحدث كل ليلة، ثم نام على جنبه الأيمن، وبعد منتصف الليل استيقظ متضايقا من حلم أزعجه، قال لنفسه: “هذا هو حلمك يا رشيد؟ سأريك في الصباح” ثم حاول النوم مرة أخرى، وفي الصباح ذهب إلى جاره رشيد وقد زاد غضبه.

قال مهران:

“اسمع يا رشيد، هات نقودي ولا أريد منك شيئا، إنك تخدعني”،

قال رشيد:

لا يا جاري العزيز أنا لا أخدعك.

مهران:

“بل تخدعني”.

رشيد:

أنت من تسببت بهروب الحلم منك.

قال مهران:

بماذا ستتعذر هذه المرة، لقد نمت على جنبي الأيمن، ولم يتغير شيء.

قال رشيد:

لاحظت من خلال نافذتك أنك تنام  وضوء حجرتك مضاء”.

قال مهران:

نعم أنا أتركه مضاء لأن الكوابيس تجعلني استيقظ مفزوعا، والظلام يزيد من فزعي”.

قال رشيد:

هذا خطأ، عليك أن تطفئ المصباح عند النوم، وإلا لن يأتيك الحلم الجميل.

قال مهران:

“إنك تهزأ بي”.

قال رشيد:

لا يا عزيزي، أنا أريد مساعدتك لتحصل على حلم جميل.

قال مهران:

حسنا سأفعل ما تقوله وسنرى،

وفي الليل حدث مع مهران مثل ما يحدث كل ليلة، ولم ير أي حلم جميل، فشعر مهران باليأس والحزن، وفي الصباح ذهب إلى رشيد وقال له:

إلى هنا وكفى، لقد كنت مغفلا حين صدقتك، أعد لي نقودي، ولا أريد رؤيتك بعدها.

قال رشيد:

ألم تر  حلما جميلا؟.

قال مهران بغضب:

لم أر ولن أرى ولا أريد أن أرى عبرك، أعد لي نقودي فحسب”.

قال رشيد:

أووه يا عزيزي إن انفعالك هذا سيضيع عليك فرصة الحصول على نوم مريح وحلم جميل، الحلم الذي أرسلته لك لن تراه إلا إذا أدخلت جهاز تكييف إلى غرفتك فأحلامي تحب البرودة، الأمر يرجع إليك فكر جيدا.

فكر مهران ثم قال:

هذه المرة آخر فرصة لك لترسل لي الحلم، وإلا عليك إعادة نقودي، لا تجعلنا نخسر علاقتنا الطيبة بسبب حلم”

قال رشيد بجدية:

“ثق بي يا جاري العزيز”

أخذ مهران قرضا  من عمله، واشترى جهاز تكييف، لأنه لا يملك المال الكافي لذلك، وفي المساء قام بتشغيل التكييف وأطفأ الضوء ونام على جنبه الأيمن، واستيقظ في الصباح مرتاحا، ثم ذهب إلى جاره ليبشره، وعندما رآه قال له وهو مبتسم:

“أشكرك يا جاري العزيز، الليلة وصل حلمك الجميل، ونمت نوما مريحاً.

قال رشيد:

في الحقيقة لم أرسل أي حلم، والأحلام لا ترسل ولا تباع ولا تشترى، أردت فقط أن أساعدك على تهيئة جو مريح، لتنام نوما هنيئا، عندها ستختفي الكوابيس من تلقاء نفسها، وتظهر الراحة على شكل أحلام سعيدة”.

ثم أخرج رشيد من جيبه النقود وأكمل كلامه:

وهذه نقودك خذها واشتري لك بها الأشياء التي تنقصك في بيتك، اعتن بنفسك إنّ لجسدك عليك حقاً.

زر الذهاب إلى الأعلى