رهاب الاتصالات المفاجئة

قصة: عمر محمد العمودي
تؤذيني هذه الريبة، وهذا التردد قبل كل قرار علي اتخاذه، حتى أتفه القرارات تستوقفني، وعندما لا أقرر أيضًا أظل قلقًا من أن أتّخذ قرارًا ما دون أن أشعر، ولا أدري لم كل هذه الربكة؟
قبل أن أغلق الباب، أتأكد مرارًا من وجود المفتاح، أذهب ثم أعود بعد بضع خطوات لأتأكد من كون الباب مغلقًا.. وفي الحافلة، أضع يدي مرات عديدة في جيبي لأتأكد من وجود المحفظة، ومرات أخرى أتحسس فيها الجيب الآخر بحثًا عن الهاتف. أذهب وأعود ولا أشعر بأني آمن أبدًا، رغم أني لم أتعرض إطلاقًا للسرقة، ولم أنسَ مفتاح المنزل يومًا في حياتي!
وعندما يأتي اتصال مفاجئ، أنظر للشاشة وأنتظر، وأخمن ما يريد قوله، ربما قد يكون مخطئًا، ربما يغيّر رأيه، ربما يتراجع، ربما يريد قول شيء ثقيل، ربما لديه خبر مُحزن.. ربما بشرى أيضًا، وربما لا يوجد شيء مهم، ولو كنت أعرف ذلك لرددت مطمئنًّا على الفور، لكنه القرار! لا أستثقل المتصل، بل هي ولادة قراري المتعسّرة.
البارحة كنت مستلقيًا في خلوتي ولا أدري بماذا أشعر، أتفحّص السقف وأتخيّل سقوطه، أنظر للجدران وأتخيّل انهيارها، أرمق الستائر وأشعر بأنها ستطير في أقرب لحظة. كانت ليلة غريبة، من تلك الليالي التي تمرُّ عليّ بين كل فترة وأخرى ولا أفهمها.
تلك اللحظة رنّ هاتفي، تركته يرنّ في المرة الأولى دون أن أردّ عليه، ودون أن أفكر حتى بالتقاطه من جانبي لأرى اسم المتّصل، لم تكن لدي الرغبة بالتحدّث مهما كان الأمر.
رنّ الهاتف ثانية، فقمت بالتقاطه ونظرت للمتصل؛ “العم خالد” وقد كنت أكره الاتصالات المفاجئة، وأكره أن أقرّر سريعًا بالرد من عدمه، ولأكن صادقًا كان أول ما يتبادر في ذهني هو مجيء خبر سيئ!
خصوصًا في وقت غير ملائم كهذا، ومن فرد من العائلة! إنها الساعة الواحدة والنصف صباحًا، لم أعتد أبدًا أن يتّصل بي أحد في هذا التوقيت حتى عندما كنت منخرطًا في علاقة في مراهقتي عندما أريد الاتصال، أو أنتظره، أفعل ذلك في أول الليل لا آخره، لا يتصل بي في هذا التوقيت سوى أرقام مجهولة، وكانوا يغلقون مباشرة بعد سماعهم كلمة “مرحبا” بصوتي الأجش، وليتهم يعلمون كم تكبدت من عناء قبل أن أقوم بالرد، ولكني أعرف أنهم أيضًا عانوا كثيرًا، وأصرّوا كثيرًا، أملًا بأن يسمعوا كلمة “مرحبا” من فم امرأة.. لا شيء يمكنني فعله، إنه حظهم التعس.
كان الهاتف يرن وأنا أُفكّر بالاحتمالات التي سأجدها بعد الرد، محاولًا ألّا أتعمّق بها.
هل حدثت مشكلة؟ هل نشب حريق؟ هل سيطلب مني فعل شيء في هذا الوقت؟ كلها أسئلة تدور في ذهني، لكن حالتي المزاجية السيئة كانت أكبر من فضولي، ولم أكن مستعدًّا أبدًا لتقبّل أي خبر، سواء كان سعيدًا أم حزينًا، حتى توقف الهاتف عن الرنين.
“إن رنّ ثالثة سأرد”
قلتها وتذكّرت أنها قد مرّت ثلاثة أشهر على وفاة العم خالد!
حينها التقطت هاتفي بهلعٍ، ولمستُ الشاشة بأصابعَ ترتعشُ كأفعىً مجلجلة؛ متصلًا برقم العم خالد، لأصطدم بذلك الصوت “الرقم الذي تتصل به غير متوفر حاليًا!”.
في تلك اللحظة رميت الهاتف جانبًا، ثم لففت جسدي بلحافٍ، كما لو أنني نجوت من حادث مروّعٍ بأعجوبة، وظللت مرتجفًا وأهذي حتى غرقت في نوم عميق.
في الصباحِ الباكر عند استيقاظي _ وقبل أن أفتح عيني تمامًا _ رأيت ما حدث ليلًا يمر كفلمٍ قصيرٍ أمامي، حينها التقطتُ هاتفي عن يميني؛ متصفحًا سجلّ المكالمات، كانت آخر مكالمة فائتة تحمل تاريخًا مضى عليه ثلاثة أشهرٍ، من “العم خالد” بتوقيتٍ قد تجاوز الواحدة بعد منتصف الليلِ… تمامًا قبل وفاتهِ بدقائق!
تلك المكالمة التي نظرت إليها مطوّلًا، وفكّرت، وخمّنت، وارتبكت… ولم أرد!