آداب وفنون

ما تزرعه اليوم تحصده غداً..! 

كتب/مريم الداحمة

في إحدى المحاكم، تبرّأ جميع محامي البلدة من الدفاع عن القاتل.
فالجريمة هذه المرة فادحة، لا تُغتفر، ولا يخفف من وطأتها شيء.
أيُّ شيءٍ يمكن أن يُغفر بعد إزهاق روح؟
وكيف إن كان المجني عليه هو والدك،
والقاتل… أنت، ابنه، فلذة كبده؟
جريمة لا تُبرَّر، ولا تُغتفر.
ومع ذلك، لم يحرم القاضي الجاني من حقه في الدفاع عن نفسه.
نظر إليه طويلاً، ثم سأله سؤالًا واحدًا، مباشرًا، عاريًا من أي زينة:
لماذا قتلته؟
أجاب بصوتٍ خافت، كأنه يخرج من قبر:
العين بالعين، والسن بالسن، والبادي أظلم.
قطّب القاضي حاجبيه وقال:
ماذا تقصد؟
تنفّس بعمق، وكأن صدره يحمل ستةً وعشرين عامًا من الاختناق، ثم قال:
لقد اقتصصتُ منّي، يا سيادة القاضي.
ستة وعشرون عامًا وأنا أعيش تحت سقف نرجسي،
كان أبي فيه سجانًا لا أبًا،
جلادًا لا سندًا.
تفنّن في تعذيبي بكل الطرق التي لا يراها القانون ولا يسمع بها الناس.
أهانني حتى كرهت اسمي،
عزلني حتى صرت غريبًا عن نفسي.
لم يترك لي صديقًا ولا قريبًا،
وشيطنني في أعين الجميع،
حتى الغريب الذي لا يعرفني،
كان ينظر إليّ وكأني شرٌّ يمشي على قدمين.
أنا المظلوم يا سيادة القاضي.
أنا الذي تيتمتُ ووالدي حيّ.
أنا الذي جُعت، وبيتنا ممتلئ بما لذّ وطاب.
أنا الذي ارتجفت من البرد،
وخزائننا تعجّ بالصوف والحرير.
أنا الذي حُبست في غرفة،
والمنزل يفيض بالغرف.
أنا الذي تبولتُ على نفسي من الخوف،
ودورات المياه في كل زاوية.
أنا الذي تسللت آخر الليل،
أسرق بقايا طعامهم،
كأني لصّ في بيت أبي.
أنا الذي خَرِستُ رغم قدرتي على الكلام،
لأن الصوت كان يُقابل بالضرب،
والرأي كان يُقابل بالإهانة،
والبكاء كان جريمة إضافية.
كبرتُ وأنا أتعلم كيف أختفي،
كيف أكون أقل من ظل،
كيف أعيش دون أن أُرى،
ودون أن أُحب.

أنا العاق…
أنا الحاقد،
أنا الفاشل،
أنا المخادع،
أنا الخبث والخبائث كما كانوا يقولون.
أنا من كُتبت نهايته نار جهنم،
كما لقّنوني منذ طفولتي.
لكنني، يا سيادة القاضي،
أشعر أن جهنم — بكل ما قيل عنها —
قد تكون أرحم من العيشة التي عشتها تحت ظل والدي.
نعتني بكل الألفاظ التي تُميت الإنسان وهو حيّ.
كنتُ الأقل بين إخوتي،
المنبوذ،
الزائد عن الحاجة،
الخطأ الذي لم يكن ينبغي أن يولد.
كنتُ ضحية نرجسي
أتقن لعب دور الضحية،
وهو الجلاد.
لم يكن وحده سبب عذابي،
بل جرّ خلفه الأهل، والأقارب، والمجتمع.
صوّرني لهم وحشًا،
فلم يقصّروا هم في تمزيقي.
مجتمع لا يرحم،
وبشر لا يعرفون الرحمة.
ومن أين تأتي الرحمة،
إذا كان البيت —
الذي يفترض أن يكون ملجأك —
هو أول من خانك؟
هل يُعقل أن تنتظر رحمة من أحد،
وقد نشأت في مكان
لم يعرف معنى الرحمة أصلًا؟
لقد اقتصصتُ منه، يا سيادة القاضي.
أثقل قلبي في الدنيا حتى عجز عن النبض،
ولا أريد أن ألتقيه في الآخرة.
هو من أقنعني أن مصيري جهنم،
زرعها في صدري يقينًا لا خوفًا.
فاخترت أن أقتصّ منه في الدنيا،
حتى لا أقتصّ منه في الآخرة،
ولا يكون رفيقي هناك…
في النار التي قال إنها قدري.

زر الذهاب إلى الأعلى