آداب وفنون

سيربيكو.. أنصفه آل باتشينو وخانته بروكلين برصاصة!!

حين تتماهى الحقيقة بالخيال

كريترنيوز /متابعات /رشا عبد المنعم

 

في عالم تحكمه “شفرة الصمت” والولاء المطلق للبدلة الرسمية، برز فرانك سيربيكو؛ لا كشرطي عادي، بل كظاهرة أخلاقية هزت أركان مدينة نيويورك في أكثر عصورها قتامة.

لم يكن سيربيكو يبحث عن المجد، بل كان يحمل مثاليات “ابن المهاجرين” الذي رأى في شارة الشرطة عهداً مقدساً، لا وسيلة لجمع الإتاوات.

 

وهي الروح المتمردة التي جسدها العبقري آل باتشينو في تقمص تاريخي جعل العالم يرى بعيني سيربيكو معنى أن تكون وحيداً في مواجهة الطوفان.

 

تعود أحداث القصة الحقيقية إلى عام 1959، حين التحق سيربيكو بسلك الشرطة مدفوعاً بنزاهة المهاجر الإيطالي الذي قدّس فكرة “خدمة المجتمع”. لم يكن يعلم أن مثاليته ستكون عدوه الأول؛ فبحلول عام 1965، حين ارتدى ملابسه المدنية مقترباً من حلم رتبة “محقق”، اصطدم بواقع مرعب؛ لقد تحول الدرع إلى خنجر، حيث كان زملاؤه يقتسمون كعكة الفساد علانية، ويجني الشرطي الواحد من أموال القمار والرشاوى ما يعادل 8000 دولار بأسعار يومنا هذا، بينما يحظى الكبار بحصة الأسد.

لم يرتضِ سيربيكو الصمت، وفي عام 1967 قرر أن يقرع أجراس الخطر ويتحول إلى “مُبلغ” عن الفساد، فكانت المكافأة مرّة: تنمر، وعزل، وتهديدات بالقتل. وفي وسط هذا الحصار، ظهر ديفيد دورك، الضابط المهندم ذو العلاقات الرفيعة، ليشكل مع سيربيكو “الروح الحرة المنعزلة” ثنائياً غريباً لم تجمعهما سوى النزاهة في مدينة كانت تبيع شرفها في الطرقات.

عندما أُوصِدت أبواب الإدارة في وجهيهما، فجّرا قنبلتهما الكبرى عام 1970 عبر صفحات صحيفة “نيويورك تايمز”.

كان زلزالاً ضرب “التفاحة الكبيرة”، ودفع العمدة “جون ليندسي” لتشكيل لجنة “كناب” للتحقيق في مزاعم الفساد داخل إدارة شرطة نيويورك (NYPD). لكن سيربيكو ظل في الميدان مكشوف الظهر، يواجه ذئاباً يرتدون نفس بدته الرسمية.

 

وفي ليلة الثالث من فبراير 1971، وصلت المأساة إلى ذروتها. لم تكن الرصاصة التي استقرت في وجه سيربيكو مجرد مقذوف من مسدس مجرم، بل كانت رسالة غدر مخضبة بدم بارد.

في ذلك الممر الضيق ببروكلين، وبينما كان يقتحم وكراً للمخدرات، لم يجد خلفه “ظهراً” يحميه؛ إذ وقف زملاؤه الثلاثة يتفرجون على جسده وهو يهوي، في مشهد وصفته الصحافة لاحقاً بالخيانة العظمى. “لقد تركوه ليموت”؛ فلم يطلبوا إسعافاً حتى جاء الإنقاذ من غريب يسكن البناية.

 

وحين نُقل أخيراً، كانت الكراهية تلاحقه؛ إذ قال أحد الضباط في سيارة الشرطة بمرارة: “لو كنت أعلم أنه هو، لتركته ينزف حتى الموت”

 

في تلك الآونة، كان قدر السينما ينسج خيوطه؛ فبينما كان العالم يجهل اسم آل باتشينو، كان المخرج “فرانسيس فورد كوبولا” يخوض معركته للإبقاء عليه في دور “مايكل كورليوني”.

ومن رحم ذلك الصمت، وُلد العبقري محولاً ملامحه من “عراب” يقيد عالم الجريمة إلى شرطي يواجهها.

 

لم يكن تقمص باتشينو لشخصية سيربيكو مجرد أداء، بل رحلة بحث عن ماهية الضمير. يروي باتشينو أنه استضاف سيربيكو الحقيقي في منزله لأسابيع، وفي لحظة صفاء سأله: “فرانك.. لماذا اخترت أن تخسر كل شيء مقابل مواجهة مستحيلة؟”.

فأجابه سيربيكو: “لأنني لو لم أفعل، فمن سأكون عندما أجلس وحدي وأستمع إلى الموسيقى؟”. كانت هذه الإجابة هي المفتاح الذي دخل به باتشينو إلى أعماق الشخصية، لدرجة أنه كاد يعتقل سائق شاحنة في شوارع نيويورك خارج أوقات التصوير، متوهماً أنه الشرطي الذي لم تكسره الرصاصة.

 

ترك إطلاق النار سيربيكو بإصابات ومدى الحياة وصمم جزئي، فغادر الإدارة عام 1972 وانتقل إلى سويسرا. وبعد عام، خرج الفيلم ليكون صك غفرانٍ فني؛ حيث اعترف سيربيكو بذهول أن باتشينو جعل الشخصية تبدو “أكثر واقعية من الحقيقة نفسها”.

وفي عام 2003، صنف معهد الفيلم الأمريكي فرانك سيربيكو في المرتبة 40 ضمن قائمته لأعظم الأبطال في تاريخ السينما.

 

لقد لخص سيربيكو معاناته في شهادته أمام التحقيق قائلاً: “آمل ألا يواجه ضباط الشرطة في المستقبل نفس الإحباط والقلق الذي تعرضت له، لقد جُعِلتُ أشعر بأنني أثقلت كاهلهم بمهمة غير مرغوب فيها”. وحث على خلق جو “يخشى فيه الضابط الفاسدُ الضابطَ النزيه، وليس العكس”.

زر الذهاب إلى الأعلى