كتاب «الجدري والحصبة للرازي».. يوميات الوباء بعين طبيب

كريترنيوز /متابعات /ريم الكمالي
في حقبة كانت الأوبئة تجتاح المدن بلا هوادة، حاملة معها الحمى المفاجئة والطفوح الجلدية ومخاوف لا تنتهي، وقف الطبيب أبوبكر الرازي مراقباً المرضى عن قرب، مدوّناً مشاهداته العلمية الدقيقة من واقع التجربة لا من الرواية المنقولة.. وقد ثمّر هذه المتابعات في رسالة موجزة عرفت بعنوان «الجدري والحصبة»، وهي في الأصل جزء ملحق بكتابه الكبير الحاوي، غير أنها تعد من أهم ما كُتب في الطب السريري في الحضارة الإسلامية، لما اشتملت عليه من تحليل منهجي وتفريق علمي واضح بين المرضين اعتماداً على الملاحظة المباشرة والتشخيص الدقيق.
يبدأ أبوبكر الرازي رسالته باعتراف صريح، أنه رأى اختلافاً شديداً بين الأطباء في وصف هذين المرضين الجدري والحصبة، لذلك قرر أن يكتب شهادته العلمية، معتمداً على المشاهدة والتجربة، وبهذا الموقف، يضع القارئ منذ البداية أمام طبيب لا يكتفي بالنقل، بل يمتحن المعرفة ويصححها.
فكما أتى في الموسوعة البريطانية الرقمية، أنه قبل الرازي، كان المرضان يختلطان على الناس، فالطفح الجلدي موجود في كليهما، لكن الرازي قرأ العلامات بذكاء، فعلامات الحصبة هي احمرار العين ودمعها، وعطاس مع سيلان خفيف للأنف، وإحساس بحرارة داخلية مع طفح خفيف متناثر، وأعراض تنفسية أوضح.
أما علامات الجدري، فأولها حرارة أشد، وثقل واضح في الجلد، وبثور ممتلئة تترك آثاراً، مع ألم شديد في الجسم ورأس مثقل. وبالتالي لم يكن التفريق بين الجدري والحصبة اعتماداً على الشكل فقط، بل على تطور الأعراض ومسارها، وهو ما جعل الكتاب مرجعاً للأطباء قروناً طويلة.
العلامات المبكرة قبل ظهور الطفح
من أروع ما في كتاب الجدري والحصبة الصادر عن دار الكتب الإسلامية، أن الرازي يسأل: كيف نعرف المرض قبل أن يظهر؟ فيسجل بدقة، بادئاً بالصداع الشديد، وألم الظهر، والقشعريرة، وضيق التنفس، والغثيان وتغير لون الوجه والبول.. وهذه القراءة المبكرة سمحت للطبيب بأن يتهيأ للخطر، وأن يدبر المريض منذ اللحظة الأولى لا بعد فوات الأوان.
يوميات المرض
في وصف سريري غير مسبوق، يصف الرازي تطوّر المرض يوماً بعد يوم، ويسأل الأسئلة المنطقية كونه طبيباً: متى تبلغ الحمى ذروتها؟ ومتى يهر الطفح وينضج؟ ومتى يكون احتباس الطفح خطراً؟ وما العلامات التي تنذر بالاختناق أو التهاب الرئة؟
وهذا أسلوب يشبه ملفات المرضى الحديثة، حيث تسجل الملاحظات بدقة الإجابة عن أسئلة الطبيب، ولا تعتمد على الذاكرة أو الظن.
العلاج عند الرازي
يتضح من رسالته، أن لديه عناية مسؤولة، لا مبالغة فيها، ولا يبحث الرازي خلف الأدوية قوية التأثير، بل يضع قواعد واضحة، مثل الهواء والراحة، وتهوية المكان، وتجنب الازدحام حول المريض، ومنع الحرارة الشديدة حول المريض، كما يصف له الغذاء بالابتعاد عن اللحوم والدهون، والاعتماد على المرق الخفيف، وتقليل الطعام حتى تهدأ الحمى.
وبما أن الجدري والحصبة يتركان في الجلد الطفح، فيوصي بترك البثور دون الضغط عليها، وتجنب المواد الحارة والقاسية، والاكتفاء بالترطيب اللطيف.. ويكرر تحذيره بأن الدواء القوي في غير موضعه أخطر من المرض نفسه، بل بالطب الوقائي المسؤول، الذي يوازن بين الرعاية والرفق.
أخطاء الأطباء وشجاعة النقد
لم يخشَ الرازي أن يكتب بجرأة، فهو رأى كيف مات المرضى لأن الطبيب استعجل الفصد، أو بالغ في الأدوية الحادة، فيكون الرازي بهذه الشفافية يذكر القارئ بأن الطب ليس مغامرة، بل أمانة أخلاقية تجاه الإنسان، ونجده كيف يبين المضاعفات، وكيف يقرأ العلامات، حيث يتوقف عند إشارات الخطر بوضوح، ويكتب أهم أعراضها، بل وكيف تُقرأ هذه العلامات، من تغير لون الطفح، وازدياد ضيق النفس، وضعف النبض، وتقيؤ شديد أو نزف.. ثم لا يكتفي بالسرد، بل يكتب ليعلم الطبيب كيف يقرأ الجسد بهدوء، فالجسد يتكلم.
أثر الكتاب في تاريخ الطب
محمد بن زكريا (أبوبكر الرازي) الذي توفي عام 925م، وهو طبيب فارسي الأصل، كتب كتاب «الجدري والحصبة» باللغة العربية، ولا يوجد تاريخ محدد لإنهائه، لكن يُعتقد أنه انتهى منه في القرن التاسع الميلادي، كما يؤكد البعض أنها رسالة وليس كتاباً، أي هي جزء من كتاب الحاوي، ولأن الرسالة أصبحت علامة من علامات الطب الفارقة، اعتبرها البعض كتاباً قائماً بذاته. وقد تم ترجمته في أوروبا مبكراً إلى اللاتينية كتاباً مستقلاً، وأُعيد نسخه مراراً، لأنه أعطى للأطباء لغة جديدة للتفكير والتمييز، حتى ظل مرجعاً.
المصادر: كتاب الجدري والحصبة للرازي، صدر عن دار الكتب الإسلامية. 276 ص.
الموسوعة البريطانية الرقمية.