آداب وفنون

الكتاب والجيل الجديد.. تحديات في طريق استعادة الشغف

كريترنيوز/ متابعات /السيد رمضان

بين رفوف المكتبات الهادئة وشاشات العالم الرقمي الصاخبة، يقف الجيل الجديد أمام سؤال خفي: كيف يتحوّل الكتاب من واجب ثقيل إلى مغامرة معرفية تُشبه اكتشاف العالم؟ فمع تغير إيقاع الحياة وتبدل طرائق التلقي، لم تعد القراءة مجرد مهارة مدرسية تُقاس بعدد الصفحات، بل تجربة إنسانية تتشكل من الفضول والاختيار والدهشة الأولى أمام نص يلامس اهتمامات القارئ ويخاطب أسئلته الخاصة.

وفي ظل هذا التحول، يبرز تحدٍ ثقافي ملح: كيف يمكن فك شفرة الذوق القرائي لدى الجيل الجديد؟ وكيف يمكن ابتكار أساليب ذكية تعيد للكتاب بريقه بوصفه مساحة للمتعة والتأمل والحوار، لا مجرد مهمة دراسية مؤقتة؟ فالأمر لا يتعلق بزيادة أعداد الكتب المقروءة فحسب، بل بصناعة علاقة حية بين القارئ والنص، علاقة تبدأ بالفضول وتنتهي بالشغف.

من هنا، تفتح «البيان» في هذا التحقيق نافذة على رؤى عدد من الكتاب والناشرين والمهتمين بالشأن الثقافي، لاستكشاف الطرق التي يمكن أن تعيد تعريف تجربة القراءة لدى الشباب، عبر بيئات تفاعلية، وتصميمات بصرية جذابة، وأساليب تربوية تقوم على الإلهام لا الإلزام.

إعادة استكشاف

أكدت الكاتبة أسماء صديق المطوع، رئيسة ومؤسسة صالون «الملتقى الأدبي»، أن الاحتفاء بشهر القراءة يتجاوز المظاهر الشكلية كالأغلفة الجميلة أو الأرفف الممتلئة، ليكون احتفاءً بالجوهر الذي يغير الإنسان من الداخل، موضحة أن القراءة ليست مجرد مناسبة عابرة في الجدول السنوي، بل هي تمرين مستدام على الوعي والإصغاء وإعادة اكتشاف الذات.

وأشارت المطوع إلى أن القراءة الجماعية تمثل مساحة حقيقية لاكتشاف الميول الكامنة وليست مجرد ترف ثقافي، مبينة أنه بينما قد يظن القارئ المنفرد أن فهمه للنص هو المعنى الوحيد، فإن النقاش المفتوح يعدد الزوايا ويوسع الرؤية، ما يسهم في نضج الذائقة الخاصة.

 

وقالت: «رأينا من كانت تظن أن الشعر بعيد عنها فإذا به يلامس مشاعرها، ومن كانت تقرأ للمتعة فقط فاكتشفت شغفها بالتحليل الفكري»، لافتة إلى بيانات حديثة تدعم هذا التوجه، إذ كشفت تقارير أن 77 % من أعضاء مجموعات القراءة يقرؤون أكثر بعد انضمامهم، و94 % توسع نطاق اهتماماتهم القرائية، فيما أكد 91 % أن متعتهم بالقراءة ازدادت بفضل النقاش الجماعي، وأن 37 % من القراء شاركوا في مجموعات قراءة، في إشارة إلى أن العالم يتجه نحو القراءة بوصفها تجربة تشاركية لا فعلاً فردياً معزولاً.

 

وأفادت بأن زراعة الشغف بالقراءة تبدأ من المدرسة والبيت والمساحات الثقافية، داعية إلى تحويل الأنشطة القرائية إلى بيئات حوارية تقوم على الاختيار لا الإلزام، وعلى السؤال لا التلقين.

 

مجسات واقعية

وأوضح الشاعر والكاتب علي الشعالي، مؤسس دار «الهدهد» للنشر والتوزيع، أن التحول من رتابة الواجب إلى شغف المعرفة يتطلب آليات رصد دقيقة تواكب اهتمامات الجيل الجديد، مشيراً إلى أن الدار تعتمد مجسات واقعية لقياس نبض القراء الصغار قبل الإقدام على طباعة أي عمل، من الحضور الميداني لفريقها المتنوع في معارض الكتب المحلية والإقليمية.

وأشار الشعالي إلى أن هذا التواصل المباشر يسمح بفتح حوارات بناءة مع القراء الصغار، والقائمين على التربية والتعليم، ومقدمي الرعاية في المراكز المختلفة، مبيناً أن الدار تستلهم موضوعاتها من صلب المجتمع العربي، عبر متابعة قضايا الأسرة والظواهر الاجتماعية الملحة، لتقديمها للأبناء بلغة وهيئة تناسب كل مرحلة عمرية.

 

وفيما يخص الجماليات البصرية، قال إن لكل عصر لغته المحكية والبصرية الخاصة، وأن إعادة إنتاج تصميمات العصور السابقة اليوم لن يكون فعالاً، مشدداً على حرص الدار على مواكبة الذائقة المعاصرة المتصلة بوعي الطفل الحديث.

وحول وجود خريطة طريق وطنية، بين الشعالي أنها موجودة بالفعل عبر الخطط الاستراتيجية لمؤسسات التعليم والتنمية، وإحصاءات جمعية الناشرين الإماراتيين؛ إذ رأى أن دور النشر تتحرك في مساحة رحبة تؤطرها هذه البيانات، مع الحفاظ على هوية خاصة لكل دار لتجنب التكرار، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه تقديم مقترحات أصيلة لموضوعات الكتب المرتبطة بثقافة أو بقعة جغرافية محددة، إلا إذا زُوّد ببيانات إحصائية ضخمة، وأن الحضور البشري يظل الأعمق والأكثر قدرة على فهم السياقات وتقديم الحلول الثقافية ذات الصلة.

عملية تراكمية

من جانبه، أكد الكاتب والرحالة الدكتور فيصل السويدي أن تكوين جيل قارئ ليس وليد المصادفة، بل هو نتيجة عملية تراكمية مستمرة يجب أن تنطلق شرارتها الأولى منذ مرحلة الطفولة المبكرة، منوهاً بالتجربة الثقافية في إمارة الشارقة التي تعد نموذجاً ملهماً في هذا السياق، حيث يرتبط الأطفال بمعارض الكتاب ومهرجانات القراءة، مثل «مهرجان الشارقة القرائي للطفل»، منذ نعومة أظفارهم.

وشدد السويدي على ضرورة منح الطفل المساحة الكافية لتشكيل ذائقته الخاصة، ملخصاً رؤيته في أن دور الكبار يجب أن يقتصر على التوجيه دون ممارسة أي نوع من أنواع الفرض على الطفل، مع ضرورة وضع معايير سليمة تساعده على الاختيار، وإدراك أن غرس حب القراءة يتم تدريجياً لضمان استدامة هذه العادة.

ورأى أن الهدف الأسمى هو تمكين الطفل من بناء كيانه الثقافي المستقل، مؤكداً أن صناعة الكتاب تواجه اليوم تحديات تتطلب حلولاً ابتكارية لجذب الجيل الجديد من القراء، وأن التصميم والمحتوى البصري يؤديان دوراً حاسماً في قرار الشراء والقراءة. ودعا إلى ضرورة توظيف الأدوات الحديثة داخل المادة المكتوبة.

 

مفتاح سحري

وفي حديث تناول دور التراث والبيئة المحلية في تشكيل وعي الأجيال، أكدت الكاتبة مريم الغفلي أن فن الحكاية يظل مفتاحاً سحرياً لاكتشاف ميول الجيل الجديد، لا سيما إذا ما تم دمجه وتوظيفه عبر التقنيات الحديثة، موضحة أهمية الصالونات الأدبية والمنصات التفاعلية كبديل فعال لمواجهة حيرة الاختيار أمام أرفف المكتبات الضخمة.

وقالت، إن تعويد الطفل على لمس الكتاب وقراءة القصص له منذ المهد يحوّل القراءة إلى عادة متأصلة، وأن الوالدين القارئين يمثلان عامل جذب طبيعياً لأبنائهم نحو المطالعة، لافتة إلى بعض مؤشرات شغف الطفل المبكر بالقراءة.

زر الذهاب إلى الأعلى