هندسة الإيقاع وتجليات الدلالة في شعر نازك الملائكة

كريترنيوز/ متابعات /السيد رمضان
لم تكن رائدة قصيدة التفعيلة الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة تسعى إلى هدم النموذج المتوارث للقصيدة البيتية، لكنها كانت تمارس عملية تفكيك إيقاعية واعية، أعادت بها بناء التصور الجديد للقصيدة العربية، لتقدم رؤية مبتكرة لما بات يُعرف بـ«الجملة الشعرية المرنة».
حيث يتمدد السطر وينكمش استجابةً لفيضان العاطفة، وتتداخل القوافي الداخلية بالخارجية في سيمفونية بصرية وموسيقية آسرة ومتحررة، بعدما تخلَّت في هذا النموذج الحديث عن الركائز المتساوية للبيت الشعري (الصدر والحشو والعجُز).
وفي قصيدتها «لحن للنسيان»، يتجلى هذا التدفق الإيقاعي في النص، حيث تعمد نازك الملائكة إلى تشخيص الحياة ومخاطبتها متسائلةً في حيرة:
لِمَ يَا حَيَاهْ؟
تَذْوِي عُذُوبَتُكِ الطَّرِيَّةُ فِي الشِّفَاهْ؟
لِمَ، وَارْتِطَامُ الْكَأْسِ بِالْفَمِ لَمْ يَزَلْ
فِي السَّمْعِ هَمْسٌ مِنْ صَدَاهْ؟
وَلِمَ الْمَلَلْ
يَبْقَى يُعَشِّشُ فِي الْكُؤُوسِ مَعَ الْأَمَلْ
وَيَعِيشُ حَتَّى فِي مُرُورِ يَدَيْ حُلُمْ
فَوْقَ الْمَبَاسِمِ وَالْمُقَلْ؟
وَلِمَ الْأَلَمْ
يَبْقَى رَحِيقِيَّ الْمَذَاقِ، أَعزَّ حَتَّى مِنْ نَغَمْ؟
وَلِمَ الْكَوَاكِبُ حِينَ تَغْرُبُ فِي الْأُفُقْ
تَفْتَرُّ جَذْلَى لِلْعَدَمْ؟
وحين نتأمل المعمار البنائي للسطور السالفة، نكتشف أن الحرية العروضية هنا ليست انفلاتاً مجانياً، بل هي هندسة إبداعية دقيقة مدروسة وظّفتها الشاعرة درامياً لخدمة فكرتها الوجودية. لقد اختارت نازك تفعيلة بحر الكامل (متفاعلن) لتقيم عليها دورة إيقاعية مدهشة في كل مقطع من مقاطع القصيدة الثلاثة.
يبدأ اللحن في السطر الأول خافتاً وضئيلاً، كأنه تنهيدة أولى تختزلها تفعيلة واحدة تنتهي بقافية المقطع (الهاء في المقطع الأول، واللام في الثاني، والميم في الثالث). وفجأة، ينتفض هذا النغم وينفجر متمدداً في السطر الثاني، ليبلغ ذروته الطربية بثلاث تفعيلات كاملة.
ويحافظ النص على هذا النَّفَس الطويل الممتد بثلاث تفعيلات أخرى في السطر الثالث، قبل أن ينكفئ الإيقاع تدريجياً ويتقلص في السطر الرابع إلى تفعيلتين، ليعود النغم إلى نقطة الضعف والافتتاح الأولى مع مطلع المقطع التالي.
هذه اللعبة الرقمية (1، 3، 3، 2) ليست مجرد هندسة رياضية جافة، إنها محاكاة عبقرية لسياسة الحياة ومقايضاتها الوجودية، حيث تتأرجح الذات الإنسانية بين الضعف والقوة، والشدة والرخاء، والنعيم والعذاب.
وتزداد أهمية هذا البناء الإيقاعي حين ندرك أن الشاعرة لا تتعامل مع الوزن بوصفه إطاراً خارجياً للنص، بل باعتباره أداة تعبيرية تكشف تحولات الشعور ومسارات التأمل. فكل اتساع في السطر يقابله اتساع في الرؤية، وكل انكماش إيقاعي يوحي بلحظة تردد أو انكسار، بما يعمق الصلة بين الموسيقى الداخلية والتجربة الشعرية.
أما المناورة الأبرز التي تمنح القصيدة بعدها الدرامي، فتدور في فلك القافية؛ فبينما تسير أسطر كل مقطع على وتيرة رويّ واحدة (كالهاء في المقطع الأول)، يأتي السطر الثالث دائماً بقافية غريبة ومغايرة تماماً (كاللام)، لكنها لا تأتي عبثاً، بل تكون هي نفسها القافية الافتتاحية التي تؤسس وتسيطر على المقطع الذي يليه.
إننا أمام استشراف موسيقي بديع، إذ ينشأ وسط النغم السائد صوت نشاز غريب، وما تلبث الأنغام القديمة أن تذوب وتتلاشى، لتغلب النغمة الوافدة وتستأثر بالسيادة، قبل أن يدركها هي الأخرى الاضمحلال والمحو على يد قافية جديدة، ليكون النص، ببنيته الإحصائية ودلالته الروحية، تجسيداً حياً لعنوان القصيدة «لحن للنسيان».