أنّات في زنازين قصر العمودي

كتب: د. مسعود عمشوش
في صباحٍ من صباحات سيئون الباردة، حين كان النخيلُ يقطرُ نَدًى على أزقّة حيّ القرن، انتشر الخبرُ كأنه ريحٌ قادمة من جهة الصحراء، يحملُ معه رائحة الموت.
— “اختطفوا محمود… محمود سالم صقران!”
كان الكلامُ يتردّدُ على شفاهٍ مرتجفة، يُهمَسُ به في الدكاكين في سوق القرن وفي سوق سيؤن العام، وخلف الجدران الطينية، عند مساجد الحيّ وسقايات الماء. لم يكن أحدٌ يجرؤ على الجهر، فأمن الدولة كان له في كلّ زاوية أُذُن.
في فِناء أحد البيوت العتيقة، اجتمع نفرٌ من رجال القرن، وجوهُهم محفورةٌ بالقهر، عيونُهم تختزن ما لا يُقال. جلس بوسمير مُسنِدًا ظهره إلى الجدار، وقد شاب رأسُه قبل أوانه. وكان إلى جواره ربيع السعيد، يقلّبُ بين أصابعه سُبحةً من خرز رخيص.
— “متى أخذوه؟” سأل أحدُ الشباب بصوتٍ مكتوم.
قال بوسمير، ودمعةٌ تتعثّر في حلقه قبل عينيه:
— “أمسِ عصرًا. اعترضوا طريقه في شارعٍ من شوارع المدينة، أنزلوه من دراجته النارية، ولم يعد أحدٌ يراه. يقولون… يقولون إنهم صفّوه.”
صمتَ الجميع. كان الصمتُ أثقلَ من أيّ صراخ. ثم نطق ربيع، وكلماتُه تخرج كأنها جمرٌ:
— “صفّوه؟ رجلٌ من العمال، ابنٌ من أبناء الفقراء، رفعوا اسمه على المشانق ووصموه بـ(اليمين العفن)، وهو لم يملك في حياته إلا قميصه وكرامته!”
— “هذا جزاء من وقف في وجههم”، قال بارماده كان يستمع في صمت. “أمّموا البيوت، وأمّموا السيارات، وأمّموا حتى سيارة مدرسة القرن، وسيارة باصبيع صهرِه… وها هم اليوم يؤمّمون الأرواح.”
نظر بوسمير إلى السماء، وكأنه يبحثُ عن إجابةٍ هناك، ثم قال بصوتٍ خافت:
— “أتذكرون قصر العمودي؟ أتذكرون ما جرى لنا فيه قبل أربع سنين؟”
عندها تهدّجت الذاكرةُ، وانفتح بابُ الماضي على مصراعيه.
**
كان حيُّ القرن في ذلك الربيع يغلي كقِدرٍ على نار. عاد عبد الله الأشطل، أحد أقرباء رشيد العليمي وعبد الفتاح اسماعيل إلى سيؤن، يحملُ معه “الوقفةَ الجادّة” كأنها سيفٌ مسلولٌ على رقاب من يخالف. عُقد الاجتماعُ الموسّع، واستُدعي محمود صقران فاعتذر، فأُحضِر مخفورًا. جلس صامتًا، مُسنِدًا ظهره إلى منصّة الرئاسة، لا يتكلّم، وكأنه يقول بصمته كلَّ ما لا تقوله الكلمات.
ثمّ كانت المسيرة. خرجَ أبناء القرن يهتفون لمحمودهم، يُطالبون بردّ بيوتهم وسياراتهم المؤمَّمة، يقودُهم عبد القادر باكثير. لكنّ “السرية التاسعة” انقضّت عليهم كالجراد، فرّقت المسيرة بالعصيّ والرصاص، واقتيد عددٌ من أبناء القرن إلى دار العمودي — ذلك القصر الذي أمّموه وحوّلوه من بيتٍ للناس إلى زنزانةٍ للتعذيب.
في إحدى زنازين ذلك القصر، حيث الرطوبةُ تُنبتُ في الجدران سوادًا، والظلامُ لا ينقطعُ إلا بضوءٍ شاحبٍ يتسلّل من كوّةٍ عالية، كان يقبعُ يونس صقران وأخوه صالح، إلى جوار “كدح” و”دحيم السقايا”.
ارتفع صوتُ صالح، مبحوحًا من الألم:
— “يونس… ما زلتَ حيًّا يا أخي؟”
أجاب يونس، وأنفاسُه تتقطّع:
— “حيٌّ، لكنّ النارَ التي كَوَوْني بها ما زالت تأكلُ جسدي. كَوَوني في أماكنَ يستحي اللسانُ من ذكرها.”
تنهّد كدح من ركنه، وقال:
— “يقولون إننا (يمينٌ عفن). أيُّ يمينٍ هذا؟ نحن عمّالُ القرن، نحن من نُفطرُ على التمر والماء. لقد سرقوا منا حتى الدراجات الناريّة، يا للعار! ثم يتحدّثون عن الصراع الطبقيّ ونحن الطبقةُ التي يُفترض أن يُدافعوا عنها!”
قال دحم السبايا بصوتٍ هادئ، فيه يقينٌ من لا يخاف:
— “اسمعوا يا رجال. الجسدُ يُكوى، لكنّ الكرامةَ لا تُكوى. قد يُسفّروننا إلى سجن المنورة بالمكلا، وقد يُذيقوننا ما لم يخطر على بال، لكنّهم لن ينتزعوا منا اسمَ محمود صقران من قلوبنا.”
سرى في الزنزانة صمتٌ مهيب، ثم همس صالح، وهو يكاد لا يقوى على الكلام:
— “أتظنّون أنّ محمودًا يعرفُ بما يجري لنا؟”
أجاب يونس:
— “إنه في عدن الآن، يشرحُ موقفه لرئاسة الجمهورية. سيعود، وسيرفع رأسَنا. ثقوا بذلك.”
وعاد محمودٌ فعلًا، واستُقبل بمظاهرةِ تأييد، وطُمئن بأنّ الأخطاء ستُصحَّح. لكنّ الذين كَوَوا الأجسادَ بالنار لا تُصحّحُ نفوسُهم بالكلام. كانوا ينتظرون لحظتَهم. وجاءت تلك اللحظةُ في عام 1972.
**
عادت الذاكرةُ إلى الفِناء، إلى الحاضر الموجع.
نهض بوسمير، ومسحَ وجهه بكفّه الخشنة، ثم قال:
— “صفّوه أخيرًا، كما تَوعّدوه منذ ذلك اليوم في قصر العمودي. لقد أخذوا منّا الرجل، لكنّهم لم يأخذوا الحكاية.”
نظر إليه ربيع سعيد، وفي عينيه دمعٌ وعزم:
— “نعم. سيمحون اسمه من السجلّات، وسيكتبون عنه ما يشاؤون. لكنّ أزقّة القرن ستظلّ تردّدُ اسمه، والأمهاتُ سيُحدّثن أبناءهنّ عن العامل الذي وقف وحيدًا في وجه طوفان.”
وقف الشيخُ العجوز، ورفع كفّيه إلى السماء، وقال بصوتٍ يرتجف:
— “رحم الله محمود سالم صقران. رحمَ كلَّ من كُوي بالنار في ذلك القصر. ولتشهدِ النخلاتُ في سيؤن أنّ في حيّ القرن رجالًا لم يساوموا على كرامتهم، مهما اشتدّ الظلام.”
وفي تلك اللحظة، مالت الشمسُ نحو المغيب، وغرقت سيؤن في ضوءٍ ذهبيّ حزين. وبدا أنّ النخيلَ نفسه ينحني، حِدادًا على رجلٍ من القرن، صار اسمُه — بعد أن صفّوا جسده — أكبر من قصرٍ، وأخلدَ من زنزانة.
وما أشبه اليوم بالبارحة!