آداب وفنون
عبدالله الهدية.. الصورة الشعرية وصناعة الموقف

تنهض قصيدة «هم أفسدوا الملح» للشاعر الإماراتي عبدالله الهدية على طاقة تصويرية مكثفة، تجعل من الصورة البيانية أكثر من مجرد أداة جمالية؛ إذ تتحول إلى وسيلة لكشف موقف فكري، ومن يقرأ القصيدة يلمس منذ أبياتها الأولى قدرة واضحة على تشييد صور موحية تتجاوز المعنى المباشر إلى فضاءات رمزية أرحب، مستفيدة من إمكانات اللغة وتراكيبها ودقائقها البلاغية:
الـظـاعـنـونَ وراءَ الليلِ أينَ هُمُو؟
مـرُّوا عـلى سدرةِ الأعرابِ وارتحلوا
أدَّوا قـرابـيـنَـهـم للأمسِ وانقسموا
قـبـلَ الـطوافِ فلا تاهوا ولا وصلوا
ولا تقتصر براعة الشاعر على ابتكار الصور، بل تمتد إلى الكيفية التي يصوغ بها تلك الصور داخل النسيج اللغوي. فاختياراته في الإفراد والجمع، والتقديم والتأخير، تبدو جزءاً من البناء الدلالي للنص، لا مجرد وسائل أسلوبية عابرة، حيث الفكرة وحدها لا تصنع القصيدة، وإنما تصنعها اللغة حين تمنح الفكرة صورتها المؤثرة. ومن أجمل ما يلفت الانتباه في القصيدة قوله:
لا زال منبرُهم يجترُّ من لغةٍ
عافتْ موائدَها المنسوخةَ الجُمَلُ
في هذا التصوير يمنح الشاعر المنبر صفات كائن حي يجترّ الطعام، فتتشكل استعارة مركبة توحي بأن الخطاب الذي يصدر عن أولئك المتحدثين ليس سوى تكرار مملّ لأفكار مستهلكة فقدت قدرتها على الإقناع والإبداع.
وتتكشف براعة الشاعر في توظيف المجاز العقلي؛ فقد أسند فعل الاجترار إلى «المنبر» بدلاً من المتحدثين الحقيقيين. وهذه الصياغة لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تمنح المشهد قوة تأثيرية أكبر، إذ يشعر القارئ بأن الخطاب المكرر قد ملأ المكان كله حتى بدا المنبر ذاته متكلماً ومجترّاً للكلمات.
ويكتسب اختيار المفرد في كلمة «منبرهم» دلالة إضافية؛ فمع أن الحديث يدور عن جماعة، فإن إفراد المنبر يوحي بأن أصواتهم جميعاً تصدر عن مصدر واحد وتردد خطاباً واحداً، وكأن الاختلاف بينهم قد تلاشى تماماً.
كما أن قوله «يجتر من لغة» يمنح الإحساس باستمرار الاجترار وتكراره؛ فحرف الجر «من» يحمل معنى التبعيض، بما يوحي بأن عملية الاستهلاك تتجدد مرة بعد أخرى في مفردات اللغة وتراكيبها، حتى تغدو اللغة نفسها ضحية لهذا التكرار.
وفي الشطر الثاني من البيت، يبرز أسلوب التقديم والتأخير بوصفه أداة فنية ذات أثر دلالي؛ إذ تقدمت «الموائد المنسوخة» على الفاعل، فاستحوذت على بؤرة التركيز وأصبحت الصورة أكثر حضوراً في ذهن المتلقي، بما يعزز الشعور بالنفور من هذا الواقع الذي ينتقده الشاعر. ولا يكتفي الشاعر بإدانة الخطاب، بل يجعل الجمود صفة للمكان نفسه. وتزداد الصورة كثافة في قوله:
جفّت ضروعُ قوافيهم على وطنٍ
تناثرت من شظايا بابِه المُقَلُ
إذ تتحول القوافي إلى كائن مُرضِع نضب لبنه وجف عطاؤه، في استعارة موفقة تختصر معنى العقم الإبداعي وتراجع القدرة على الإخصاب الشعري والفكري. إنها صورة تجمع بين الحس الجمالي والدلالة النقدية في آن واحد.
إن مثل هذه الصور المحكمة النسج تكشف عن شاعر يمتلك وعياً عميقاً بقدرات اللغة التعبيرية، ويعرف كيف يحوّل الصورة الشعرية إلى أداة للرؤية، فلا تبدو الصور في القصيدة مجرد زينة بلاغية، وإنما عناصر فاعلة في بناء موقف نقدي يواجه الجمود والتقليد، ويستدعي قيماً أكثر اتصالاً بالحياة والإبداع والتجدد.
