آداب وفنون

صحاري حضرموت في طبعته الثانية.. حين تتحول الصحراء إلى ذاكرة مفتوحة

كتب: أحمد صالح

ليست الكتب الجيدة تلك التي تكتفي بأن تُقرأ مرة واحدة، وإنما هي الكتب التي تدفع قارئها إلى العودة إليها كلما تغير الزمن، لأن الزمن يضيف إليها دلالات جديدة لم تكن واضحة عند صدورها الأول. ومن هذا النوع يأتي كتاب الدكتور مسعود عمشوش (صحاري حضرموت)، الذي يعود إلينا في طبعته الثانية (2026)، بعد نحو عامين من صدور الطبعة الأولى، في إصدار أكثر نضجًا واكتمالاً، يؤكد أن الكتاب لم يكن مشروعًا عابرًا، بل مشروعًا معرفيًا مفتوحًا على الإضافة والتطوير.
ولعل صدور هذه الطبعة في هذا التوقيت يضاعف من أهميتها؛ إذ تتجه الأنظار اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحو صحاري الجزيرة العربية، ليس فقط لما تختزنه من ثروات طبيعية، وإنما لما تحتويه من تاريخ إنساني عريق، ومسارات حضارية وتجارية شكّلت جزءًا أساسًا من تاريخ جنوب الجزيرة العربية.
إن القيمة الكبرى لهذا الكتاب أنه ينجح في إعادة الاعتبار لجزء واسع من حضرموت ظل، لعقود طويلة، بعيدًا عن اهتمام الباحثين والدارسين، رغم أن مديريات الصحراء تشغل ما يقارب ثلثي مساحة حضرموت. ومن هنا فإن الكتاب لا يقدم للقارئ مجرد وصف جغرافي للصحراء، وإنما يعيد إدخالها في قلب التاريخ والثقافة والهوية الحضرمية.
ولا يكتفي الدكتور مسعود عمشوش بالاعتماد على المصادر المحلية، وإنما يجمع بين كتابات المؤرخين الحضارم وبين شهادات الرحالة والمستكشفين الأوروبيين والضباط البريطانيين، فيصنع لوحة معرفية متعددة الزوايا، تجعل القارئ يرى المكان بعين أبنائه مرة، وبعين الغرباء مرة أخرى، وهو منهج يندر أن نجده في الدراسات المتعلقة بتاريخ حضرموت.
ومن هنا تأتي أهمية الكتاب في اللحظة الراهنة؛ إذ إن الاهتمام العالمي اليوم يتزايد بالتراث الثقافي غير المادي، وبالصحارى باعتبارها فضاءات حضارية لا تقل أهمية عن المدن التاريخية. وفي هذا السياق يغدو (صحاري حضرموت) أكثر من كتاب في التاريخ المحلي؛ إنه مساهمة في إعادة تقديم حضرموت للعالم بوصفها فضاءً حضاريًا متكاملاً، لا مجرد أطراف صحراوية مجهولة.
من الطبعة الأولى إلى الثانية… كتاب يتطور
الفرق بين الطبعتين لا يقف عند حدود الإخراج الفني، وإنما يمتد إلى مضمون الكتاب نفسه. فالطبعة الأولى كانت قد ضمت الدراسات المتعلقة بكتابات عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، وجعفر محمد السقاف، وعلوي بن طاهر الحداد، والباحث نائف المنهالي، ثم دراسات المؤلف عن الرحالة الأوروبيين مثل أدولف فون فريده، وعبدالله فليبي، وويلفريد ثيسيجر، وجون دوكر.
أما الطبعة الثانية فقد أضافت إلى هذا البناء دراسة جديدة خصصها المؤلف لكتاب الأستاذ عمر عبدالله العامري (رحلتي إلى النيد: قُف العوامر، جباء)، لتصبح مادة الكتاب أكثر شمولاً، ولتكتمل الصورة التاريخية والثقافية لنجود حضرموت وصحاريها من خلال شاهد حضرمي معاصر عاش المكان ووصفه بعين أبنائه.
وهذه الإضافة ليست زيادة كمية فحسب، وإنما تمثل توسعًا في رؤية الكتاب؛ لأنها تضيف صوتًا حضرميًا جديدًا إلى الأصوات التاريخية التي اعتمد عليها المؤلف، وتربط الماضي بالحاضر، وتجعل الكتاب أكثر توازنًا بين الرواية المحلية والرواية الأجنبية.
كما أن الطبعة الثانية جاءت مدعومة بعدد كبير من الصور الفوتوغرافية، وهو تطور بالغ الأهمية؛ لأن الصورة هنا ليست عنصرًا تجميليًا، وإنما وثيقة تاريخية تساعد القارئ على تصور الأمكنة والآبار والنجود والطرق القديمة والقبائل والبيئات التي يتحدث عنها النص.
والواقع أن هذا الجانب البصري يضيف إلى الكتاب بعدًا توثيقيًا جديدًا، ويجعله أكثر جاذبية للقراء الشباب، وللباحثين، وللمهتمين بالجغرافيا التاريخية والسياحة الثقافية.
قراءة جديدة للصحراء
أحد أهم إنجازات الدكتور عمشوش في هذا الكتاب أنه يحرر الصحراء من الصورة التقليدية التي تختزلها في الرمال والجفاف. فالصحراء في هذا الكتاب فضاء للحركة، ومسرح للهجرات، وممر للقوافل، ومواطن للقبائل، وذاكرة للحروب، ومستودع للأساطير، وخزان للأسماء القديمة التي لا تزال تحتفظ بدلالاتها حتى اليوم.
إن المؤلف يعيد تشكيل الجغرافيا بوصفها نصًا ثقافيًا، ويحول أسماء الآبار والوديان والنجود إلى مفاتيح لفهم تاريخ حضرموت كله. ومن هنا فإن الكتاب لا يخاطب المؤرخين وحدهم، وإنما يخاطب الجغرافيين، وعلماء الأنثروبولوجيا، والباحثين في التراث الشعبي، والمتخصصين في الدراسات الاستعمارية، بل وحتى المهتمين بالسياحة البيئية والثقافية.
بين التحقيق والقراءة:
من السمات اللافتة في هذا الكتاب أن مؤلفه لا يكتفي بنقل النصوص القديمة، وإنما يمارس معها قراءة نقدية هادئة. فهو يقارن بين الروايات، ويصحح بعض المعلومات، ويربط النصوص القديمة بالواقع الجغرافي المعاصر، ويشرح المصطلحات المحلية، ويضع القارئ أمام قراءة علمية بعيدة عن التهويل أو التسليم المطلق بما ورد في المصادر.
وهذا المنهج يمنح الكتاب قيمة أكاديمية تتجاوز حدود الكتابة التاريخية الوصفية، ليصبح دراسة نقدية للمصادر نفسها. ولذلك فإن الكتاب يصلح مرجعًا للباحثين، وفي الوقت نفسه يبقى قريبًا من القارئ العام، وهي معادلة يصعب تحقيقها في الكتب المتخصصة.
كتاب في خدمة الهوية
في زمن تتعرض فيه الهويات المحلية لكثير من التحديات، تأتي مثل هذه الكتب لتؤدي وظيفة ثقافية بالغة الأهمية. فهي تحفظ أسماء الأماكن، وتوثق الروايات، وتعيد الاعتبار للذاكرة الشفوية، وتربط الأجيال الجديدة بتاريخ مناطق ربما لم يسبق لها أن زارتها.
ولعل أجمل ما في هذا الكتاب أنه يثبت أن الصحراء ليست هامشًا في تاريخ حضرموت، بل هي أحد مراكزها الكبرى، وأن فهم حضرموت لا يمكن أن يكتمل دون فهم صحاريها ونجودها.
كلمة أخيرة: بعد هذه الطبعة الثانية، يبدو واضحًا أن مشروع الدكتور مسعود عمشوش تجاوز حدود التأليف المحلي، وأصبح مشروعًا معرفيًا يمكن أن يجد مكانه في المكتبات العربية والدولية المهتمة بتاريخ الجزيرة العربية. ولهذا فإنني أرى أن الخطوة الطبيعية التالية هي الإسراع في ترجمة هذا الكتاب إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
فالكتاب لا يتناول موضوعًا محليًا ضيقًا، وإنما يناقش قضايا تهم الباحثين في تاريخ الاستكشاف، والرحلات، والجغرافيا التاريخية، والدراسات الاستعمارية، والأنثروبولوجيا، والتراث الثقافي، وهي موضوعات تحظى باهتمام واسع في الجامعات الغربية.
كما أن كثيرًا من الشخصيات التي يناقشها المؤلف ـ مثل فليبي، وثيسيجر، وأدولف فون فريده، وجون دوكر ـ معروفة لدى القارئ الأجنبي، الأمر الذي يجعل الكتاب قادرًا على الدخول في حوار معرفي مع الدراسات الغربية، لا بوصفه ناقلًا عنها، وإنما بوصفه مصححًا ومكملًا لها من داخل البيئة الحضرمية نفسها.
إن ترجمة (صحاري حضرموت) لن تكون خدمة للمؤلف وحده، بل ستكون خدمة لحضرموت، ولتاريخ جنوب الجزيرة العربية، وللمكتبة العالمية التي ما تزال تفتقر إلى دراسات عربية رصينة تقدم هذا الفضاء الحضاري من منظور علمي يجمع بين المعرفة المحلية والبحث الأكاديمي الحديث.
ولهذا كله، فإن الطبعة الثانية من (صحاري حضرموت) ليست مجرد طبعة جديدة، بل هي خطوة جديدة في مشروع علمي يستحق أن يواصل رحلته، وأن يعبر حدود اللغة العربية إلى لغات العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى