في كتابها «أخبروهم أنها هنا.. بحثاً عن ملكة مليحة»، تقدم الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي تجربة كتابية تتجاوز حدود التوثيق الأثري، لتصوغ رحلة شخصية قادها الشغف بالمكان إلى اكتشاف التاريخ، إذ لا يبدأ النص من نتائج الحفريات، وإنما من الجبل والصحراء والأسئلة الأولى التي دفعتها إلى السير، ثم إلى البحث، ثم إلى قراءة الشواهد الأثرية بوصفها مفاتيح لفهم الإنسان.
ومنذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أنه يرافق الكاتبة في رحلة تتقدم فيها التجربة الذاتية جنباً إلى جنب مع المعرفة، فتغدو الأرض كتاباً مفتوحاً، وتتحول تفاصيل الطبيعة إلى إشارات تقود نحو طبقات أعمق من الذاكرة.
ينجح الكتاب في تحويل الشواهد الأثرية من معروضات جامدة إلى عناصر حية داخل السرد، فالقبور والعملات والنقوش والرموز والمكتشفات الأثرية، لا تعرض بوصفها معلومات منفصلة، وإنما تقرأ في سياقها الحضاري، بما تكشفه عن حياة الناس وطقوسهم وعلاقاتهم، وتستند الشيخة بدور القاسمي إلى نتائج الدراسات الأثرية، لكنها لا تكتفي بعرضها، إذ تفتح المجال أمام القارئ للتفكير في الأسئلة التي لا تزال معلقة.
ولهذا تبدو المعرفة في الكتاب عملية مستمرة، تتجدد مع كل اكتشاف جديد، وتؤكد أن التاريخ ليس رواية مكتملة، وإنما نص قابل لإعادة القراءة كلما ظهرت شواهد جديدة.
وأكثر ما يلفت في هذا العمل هو قدرته على الموازنة بين الدقة العلمية واللغة الأدبية، فالشيخة بدور القاسمي تستعين بضمير المتكلم، وتشارك القارئ انفعالاتها وحدسها ولحظات دهشتها قبل أن تنتقل إلى المعلومة التاريخية، وهذا الأسلوب يجعل القارئ شريكاً في رحلة الاكتشاف، فلا يشعر أنه يقرأ بحثاً أكاديمياً خالصاً، ولا نصاً أدبياً منفصلاً عن المعرفة، وحتى حين تستعرض تفاصيل النباتات، أو تضاريس الجبال، أو الرموز الدينية القديمة، تبقى اللغة محتفظة بإيقاعها السردي، فيتداخل التأمل مع التوثيق دون افتعال.
المرأة في قلب الحكاية
يخصص الكتاب مساحة مهمة لاستعادة حضور المرأة في تاريخ المنطقة، من خلال شخصية ملكة مليحة، ثم التوقف عند ملكة سبأ وغيرها من الشخصيات النسائية، ولا يكتفي باستحضار هذه الأسماء، بل يناقش ما تكشفه الشواهد التاريخية عن أدوار النساء في القيادة وصناعة القرار، ويدعو إلى إعادة النظر في كثير من التصورات الشائعة، وبهذا تتحول المرأة من شخصية هامشية في السرد التاريخي إلى محور من محاور قراءة الماضي، اعتماداً على الأدلة والبحث لا على الافتراضات.
وتلخص الشيخة بدور القاسمي رؤيتها بقولها: «تظل مليحة، وستبقى، حكاية تعاد قراءتها مع كل كشف جديد، لكنها أيضاً موطن للصمت، وفضاء للفراغ المهيب، إنها تهمس إلينا عبر الزمن، لا بما تكشفه فحسب، بل بما تختار أن تحجبه أيضاً».
ويختصر هذا الاقتباس فلسفة الكتاب بأكملها، فالصمت ليس غياباً للمعرفة، وإنما جزء منها، والفراغ ليس نقصاً في الحكاية، وإنما مساحة تدفع إلى مواصلة البحث، لذلك يخرج القارئ بإحساس أن قيمة الاكتشاف لا تكمن في الإجابات وحدها، بل في الأسئلة التي يوقظها.
وتكمن أهمية «أخبروهم أنها هنا» في أنه يقدم نموذجاً مختلفاً للكتابة عن التاريخ، إذ يجعل المعرفة أقرب إلى القارئ دون أن يفقدها دقتها، فالكتاب ينجح في الجمع بين السيرة الذاتية، وأدب الرحلة والتأمل والبحث الأثري، ضمن بناء متماسك يحافظ على وحدة الفكرة، ومن خلال هذا المزج، تتحول مليحة إلى أكثر من موقع أثري، لتصبح فضاءً لاختبار العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الذاكرة والهوية.
وفي هذا الجانب، يبرز حرص الشيخة بدور القاسمي على ربط الاكتشافات المحلية بالسياقات الحضارية الأوسع، دون أن تفقد خصوصية منطقة مليحة، فهي تقدم الموقع بوصفه نقطة التقاء للثقافات، وشاهداً على حيوية المنطقة عبر القرون، وهو منظور يمنح القارئ فهماً أعمق للقيمة الحضارية التي تحملها تلك الشواهد حتى اليوم، ويمنح النص بعداً إنسانياً يظل عالقاً بالذاكرة طويلاً.