آداب وفنون

ليلة السادس عشر من سبتمبر 1940 في التواهي

كتب: د. مسعود عمشوش

كان البحر، تلك الليلة، هادئًا أكثر مما ينبغي.
من النافذة العالية في الطابق العلوي من مبنى مكتب الإعلام بالتواهي، كانت فريا ستارك تستطيع أن ترى المرفأ غارقًا في عتمة زرقاء، لا يقطعها إلا بريق خافت يأتي من مصابيح السفن التي خُفِّضت أنوارها خوفًا من الطائرات. وفي الجهة المقابلة، بدا تمثال الملكة فكتوريا البرونزي كتلة سوداء صامتة، جاثمة فوق الميدان كأنه حارس عجوز لا يعرف كيف يحمي المدينة من السماء.
كانت عدن قد تعلمت، خلال الأشهر الماضية، أن تخاف من الأشياء التي لا تراها. صوت محرك بعيد قد يكون طائرة. ارتعاشة مفاجئة في زجاج النافذة قد تكون قنبلة. صفير في الليل قد يكون إنذارًا، وقد يكون ريحًا عابرة بين الجبال.
حتى البحر، الذي اعتادت فريا أن تراه طريقًا إلى العالم، صار يبدو لها هذه الأيام كأنه باب مفتوح للخطر. وضعت فريا يدها على حافة النافذة وأصغت. في الأسفل، كان المرفأ ساكنًا تقريبًا. السفن التي كانت في الأيام العادية تتزاحم فيه، محملة بالبضائع والرجال والقصص القادمة من بومباي والبصرة وزنجبار ومقديشو، بدت الآن أشباحًا سوداء. بعض السفن النرويجية كانت تحمل آثار القصف على أجسامها، كأن البحر نفسه قد أطلق عليها النار.
وخلف المرفأ، كانت الجبال البركانية تحيط بالتواهي في ظلامها القديم.
قال ستيوارت بيراون من خلفها:
-أغلِقي النافذة، فريا.
لم تلتفت.
-لماذا؟
-لأنني لا أحب أن أرى أحدًا يطل من نافذة مضاءة حين تكون الطائرات في السماء.
ابتسمت.
-أنت تعرف أنني لا أخاف بسهولة.
-وهذا بالضبط ما يخيفني فيك.
كان ستيوارت يذرع الغرفة جيئة وذهابًا. بعنقه الطويل ورأسه الأصلع وأنفه المنقاري، بدا في ضوء المصباح الخافت كما وصفته فريا في ذهنها أكثر من مرة: نسرًا صغيرًا فقد شيئًا من أبهته، لكنه لم يفقد عادته في التحليق فوق الأشياء.
كانت الغرفة قد تغيرت كثيرًا منذ وصلت إليها في نوفمبر من العام السابق.
لم تعد مجرد مكتب صغير يطل على المرفأ.
الخرائط احتلت الجدران.
صور السفن والحصون والموانئ تراكمت فوق صور الملوك والأباطرة التي كان فرامروز يعتز بها.
على إحدى الطاولات كانت أكوام الأوراق والبرقيات تتداخل مع قواميس اللغة العربية، وعلى أخرى جهاز لاسلكي صغير يبعث أحيانًا طقطقة جافة تشبه أسنان رجل يرتجف من البرد.
وفي الركن، بقي قفص الكناري. لكن الطائر لم يعد يغرد كثيرًا.
قالت فريا: -إنه خائف مثلنا.
رد ستيوارت: -الكناري لا يعرف الحرب.
-بل يعرفها أكثر منا. الطيور لا تحتاج إلى خرائط كي تعرف من أين يأتي الخطر.
لم يضحك ستيوارت. كان قد تلقى قبل قليل برقية جديدة. وضعها أمامه على الطاولة، ثم أشاح بوجهه عنها.
قال: -وصلت التعليمات.
عرفت فريا ما يقصد.
-متى؟
-صباح الغد.
-إلى أين؟
-القاهرة.
استدارت نحوه ببطء. كان وجهه قد فقد تلك الخفة الساخرة التي كانت تثير غضب السكرتيرة ديليس وتضحك علي محمد لقمان.
قالت: لا.
-فريا…
-قلت لا.
-الأمر ليس بيدي.
-إذن اذهب وأخبرهم أنه ليس بيدهم أيضًا.
اقترب منها.
-عدن لم تعد المكان الذي وصلتِ إليه في نوفمبر. البحر الأحمر مغلق تقريبًا، والموانئ مراقبة، والطائرات الإيطالية لا تحتاج إلى كثير من الحظ كي تصيب هدفًا هنا.
-وهل تعتقد أن القاهرة أكثر أمانًا؟
-لا.
-إذن لماذا تريدون إرسالي؟
سكت. كان يعرف أن السؤال أكبر من سفر امرأة واحدة. منذ بدأت الحرب، كانت عدن تفقد شيئًا كل أسبوع. سفينة. بضاعة. عائلة. وجهًا مألوفًا. ثم جاءت مرحلة إجلاء النساء الأوروبيات. شاهدت فريا بعضهن يغادرن المرفأ بوجوه شاحبة وحقائب صغيرة، كأنهن لا يردن أن يتركن وراءهن أي شيء قد يربطهن بهذه المدينة.
لكن فريا لم تصعد إلى السفينة. بقيت. لم يكن بقاؤها بطولة في نظرها. كانت فقط تشعر أن الرحيل في ذلك الوقت يشبه ترك جملة ناقصة في نهاية كتاب.
قالت: -لقد غادرت النساء.
-وأنتِ لم تغادري.
-لأنني اخترت ألا أفعل.
-والآن عليك أن تختاري من جديد.
كان علي محمد لقمان جالسًا في الطرف الآخر من الغرفة. لم يتدخل. كان يرتدي بدلته البيضاء وربطة عنقه، وجلس في هدوئه المعتاد، كما لو أن الحرب لا تحدث إلا خارج الجدران. لكن فريا كانت تعرف أن هدوءه لم يكن غفلة. كان علي يعرف الخطر. ربما أكثر مما يعرفه كثير من البريطانيين.
لقد كان يقطع كل صباح المسافة بين كريتر والتواهي على دراجته، خمسة أميال تقريبًا، ثم يدخل المكتب وكأنه يدخل إلى موعد عادي في حياة عادية.
قالت له فريا: -ما رأيك يا علي؟
رفع رأسه. ظل لحظة صامتًا. ثم قال: -إذا كان القرار قد اتُّخذ، فلن ينفع رأيي.
ابتسمت.
-هذا ليس جوابك.
قال: -جوابي الحقيقي أن الكلمات لا تسافر بسهولة مثل الناس.
نظر ستيوارت إليه.
-ماذا تقصد؟
قال علي: -قد تستطيعون إرسال فريا إلى القاهرة. لكن ما كتبته هنا، وما سمعه الناس منها، لن تستطيعوا إرساله معها.
ثم أضاف، بعد لحظة: -وقد لا تستطيعون منعه من العودة.
تأملت فريا وجهه. كان في الثالثة والعشرين، نحيلًا، أبيض الثياب، بيدين رقيقتين تبدوان كأنهما لم تُخلقا إلا للكتابة. تذكرت كيف جاءها ذات صباح حاملاً قصيدتي ووردزورث.
كان يومها مختلفًا عن هذه الليلة. كانت الشمس مشرقة. المرفأ ممتلئًا بالحركة. والمدينة، رغم الحرب، ما تزال تملك شيئًا من ثقتها القديمة. أعطته السونيتات. قالت له يومها:
-اقرأها كما لو أنها كُتبت لعدن.
في الصباح التالي عاد إليها. كانت عيناه تلمعان.
قال: -هذه القصائد للعرب. إنها بطولية.
ولم تكن فريا قد نسيت العبارة. لقد شعرت يومها أن شيئًا غريبًا حدث. انتقلت دنكيرك من شاطئ بعيد في أوروبا إلى غرفة صغيرة في التواهي. تحولت قصائد رجل إنجليزي مات قبل أكثر من قرن إلى كلمات عربية يمكن أن يفهمها رجل يجلس في مقهى بكريتر أو يقف في سوق التواهي أو يستمع إلى المذياع تحت سماء عدن.
قالت فريا: -هل ما زلت تملك النسخ؟
قال علي: -بعضها.
-كم نسخة؟
-ألفان تقريبًا، وما زال الناس يطلبونها.
ضحك ستيوارت لأول مرة تلك الليلة.
-كنت أظن أننا نطبعها للعقلاء فقط.
قال علي: -إذن لم تكن تعرف عدن بعد.
قبل أن يجيب ستيوارت، جاء طرق على الباب. ثلاث طرقات متتابعة. ثم طرقة رابعة. نظر ستيوارت إلى علي. كان هذا الأسلوب معروفًا في أيام الغارات. فتح علي الباب. دخل السيد فرامروز. كان يترجرج بجسمه المترهل، كما رأته فريا للمرة الأولى في ذلك المبنى. كان يرتدي قلنسوته ذات الخطوط البيضاء والسوداء، لكن وجهه هذه المرة لم يكن وجه التاجر الذي اعتاد استقبال التجار القادمين من بربرة وجيبوتي ومقديشو وبومباي.
كان وجه رجل فقد شيئًا لا يستطيع المال أن يعيده. توقف عند الباب.
قال: -أيمكنني الدخول؟
-بالطبع.
جلس. لم يتكلم. كانت يداه ترتجفان. اقتربت منه فريا.
-ماذا حدث؟
رفع عينيه إليها.
قال: -ماتت.
لم تفهم.
-من؟»زوجتي.
انخفض رأسه.
-ماتت هذا المساء.
ساد الصمت. حتى ستيوارت توقف عن الحركة. كان فرامروز أحد أولئك الرجال الذين بدت الحرب بالنسبة إليهم شيئًا يمكن حسابه: عدد السفن، كمية البضائع، سعر القمح، عدد البرقيات، موعد وصول باخرة. لكن موت امرأة واحدة حطم الحساب كله.
قال: -لم تصب القذيفة البيت.
رفع يده كأنه يريد الدفاع عن شيء غير مرئي.
-لم تصبه.
ثم ابتسم ابتسامة موجعة.
-لكنها كانت تسمع الانفجارات.
ظل ينظر إلى الأرض.
-كلما بدأت الغارة كانت تنظر إلى السقف. قالت لي أكثر من مرة إن السماء الزرقاء أجمل من أن تحمل الموت.
توقفت فريا. تذكرت أنه كان يصعد أحيانًا إلى السطح أثناء الغارات، مقتنعًا أن السماء المفتوحة أكثر أمانًا من الغرف المغلقة.
قال فرامروز: -اليوم لم تصعد.
ثم سكت طويلًا. -جلست في الداخل.
رفع رأسه.
-ومات قلبها قبل أن تصل القذيفة.
اقترب علي منه ووضع يده على كتفه. لم يقل شيئًا. كان يعرف أن بعض الأحزان لا تحتمل الكلام. في الخارج، دوّى صوت محرك بعيد. رفع الجميع رؤوسهم. لم يكن طائرة. مرّت الثواني. ثم عاد الصمت.
قال فرامروز: -أتعرفون ما الذي أفكر فيه؟
لم يجبه أحد.
-أنني قضيت حياتي وأنا أظن أنني أملك شيئًا هنا.
وأشار إلى المبنى.
-السفن. المخازن. المكاتب. البيوت. التجار. العلاقات.
ضحك ضحكة قصيرة.
-ثم جاءت طائرة واحدة، ولم تأخذ شيئًا من ذلك.
نظر إلى فريا.
-أخذت امرأة.
كانت العبارة معلقة في الغرفة كأنها دخان. اقتربت منه فريا وربتت على كتفه. وفي تلك اللحظة، بدا لها مبنى فرامروز كله غريبًا. الأثاث الهندي. الصور الملكية. الطاولات الفخمة. الخرائط البريطانية. المرفأ. السفن. التجارة التي امتدت من عدن إلى زنجبار وبومباي. كل ذلك بدا كأنه قشرة رقيقة فوق شيء أعمق بكثير. تحت تلك القشرة كانت توجد مدينة بشرية. مدينة تخاف. مدينة تصلي. مدينة تنتظر السفن. مدينة تشم رائحة البخور في الفجر. مدينة يمكن لامرأة أن تموت فيها من الخوف دون أن تصيبها قذيفة.
ثم ظهر أنتونين بس. دخل من دون أن ينتظر دعوة. كان قد جاء من كريتر، وكان حضوره دائمًا يشبه عاصفة تدخل غرفة هادئة. خلع سترته.
قال: -سمعت بالخبر.
نظر إلى ستيوارت.
-سمعت أنك سترسل فريا.
قال ستيوارت: -ليس قرارًا لي.
-لكنها ستذهب من المرفأ.
-هذا هو المتوقع.
ضحك بس بمرارة.
-المرفأ؟
اقترب من النافذة.
-هل رأيت المرفأ؟
-نعم.
-هل رأيت السفن المثقوبة؟
-رأيتها.
-إذن تعرف أن البحر لم يعد طريقًا.
قال ستيوارت: -والبر؟
-والبر ليس أفضل.
تدخلت فريا: -كفى.
استدار إليها.
-أنتِ لا تعرفين ماذا يحدث خارج هذه الغرفة.
قالت: -بل أعرف.
-لا. أنتِ ترين عدن من نافذة مكتب.
ابتسمت. -وأنت تراها من مخازنك.
صمت. كانت فريا تعرف أن الرجلين ينظران إلى المدينة من زاويتين مختلفتين. ستيوارت يرى الحرب. بس يرى التجارة. علي يرى المستقبل. فرامروز يرى الماضي. أما هي، فكانت تحاول أن ترى الإنسان الذي يعيش وسط كل ذلك.
قال البس: -هذه المدينة لا تحتاج إلى رحيلك الآن.
رد ستيوارت: -وأنت تريد أن تجعل بقاءها قضية سياسية؟
-لا. أريد أن أجعلها قضية عدن.
ضحك ستيوارت. -عدن لا تقرر.
قال البس: -ربما. لكن عدن تتذكر.
نظر الاثنان إلى بعضهما.
ثم قال علي بهدوء:
-وأحيانًا الذاكرة أقوى من القرار.
التفتت فريا إليه. كان الضوء الخافت يسقط على وجهه.
قال: -إذا خرجت فريا من عدن، ستخرج معها قصص كثيرة.
-وإذا بقيت؟ سأله ستيوارت.
أجاب: -ستكتب قصصًا أكثر.
في الخارج، دوّى إنذار الغارة. هذه المرة لم يكن وهمًا. ارتجف زجاج النوافذ. انطفأت بعض الأنوار. ثم بدأت المدينة تتحرك. في المرفأ، كانت الأوامر تتردد. في الشوارع، أغلق الناس أبوابهم. وفي البيوت، أطفئت المصابيح. ركض علي إلى الباب.
قال ستيوارت:
-إلى أين؟
-إلى الأسفل.
-لا تخرج.
ابتسم علي. -أنا أعرف ماذا أفعل.
ثم خرج. تبعه صوت خطواته على السلم. بعد دقائق، كان صوته يأتي من بعيد وهو يوجه بعض الشبان إلى أماكنهم. كانت فرق شباب الغضب التي تشكلت للحراسة أثناء الغارات قد بدأت تتحرك. لم تكن السلطات تأخذها دائمًا على محمل الجد. لكنهم كانوا يشعرون أنهم يفعلون شيئًا. شيئًا إيجابيًا.
شيئًا يجعلهم أقل عجزًا أمام السماء. وقفت فريا عند النافذة. لم تعد ترى المرفأ. كل شيء صار أسود. ثم ظهر ضوء بعيد. قذيفة مضيئة. تبعها دوي.
اهتز المبنى. تعلقت فريا بحافة الطاولة. قال فرامروز:
-اجلسي!
لكنها لم تجلس. كان في داخلها خوف، نعم. غير أن الخوف لم يكن وحده. كان هناك شيء آخر. شيء يشبه اليقين. لقد فهمت، في تلك اللحظة، لماذا بقي علي هادئًا. لم يكن يجهل الخطر.
بل كان يؤمن أن الهزيمة لا تبدأ حين تسقط القذائف، وإنما حين يقتنع الناس بأن لا شيء يستحق الدفاع عنه. عاد علي بعد انتهاء الغارة. كان وجهه مغطى بالغبار.
سألته: – هل أنت بخير؟
قال: -بخير.
-وماذا حدث؟
-لا شيء مهم.
ثم ابتسم. -المدينة لا تزال هنا.
ضحكت. -وهل هذا يكفي؟
قال: في هذه الليلة، نعم.
عادت إلى النافذة. بدأت السماء تستعيد لونها ببطء. وكان المرفأ يخرج من الظلام كما يخرج وجه رجل من الماء. فكرت فريا في القاهرة. فكرت في لندن. فكرت في البحر الأحمر. ثم فكرت في عدن. لم تكن عدن بالنسبة إليها مجرد محطة عسكرية بريطانية أو ميناء للفحم أو عقدة بحرية تحمي الطريق إلى الهند. كانت مدينة تتكلم بأصوات كثيرة. صوت المؤذن. صوت المراكب. صوت التجار. صوت الباعة. صوت الصحف التي لم تولد بعد. صوت علي وهو يترجم الكلمات. صوت ستيوارت وهو يسخر من برقيات الحكومة. صوت فرامروز وهو يستقبل التجار. وصوت البس وهو يتحدث عن البحر كأنه جزء من عائلته.
قالت: -سأذهب.
نظر إليها ستيوارت.
-إلى القاهرة؟
-نعم.
ثم أضافت: -لكنني لن أترك عدن.
لم يفهم.
قالت: -يمكن للإنسان أن يخرج من المكان دون أن يخرج المكان منه.
اقترب علي. قالت له:
-استمر في إعداد النشرة وتوزيعها.
-سأفعل.
-والقصائد؟
ابتسم.
-ستستمر أيضًا.
-والصحيفة التي يريد والدك إصدارها؟
-ستصدر.
نظرت إليه طويلًا. ثم قالت:
-إذن ليس هناك ما يدعو للخوف.
ضحك ستيوارت: -هذه أول مرة تقولين فيها شيئًا غير منطقي الليلة.
قالت: -ربما لأنني تعلمت من عدن.
فتح فرامروز الباب. كان الفجر قد بدأ يتسلل إلى المرفأ. وفي الأسفل، كانت أصوات الناس تعود شيئًا فشيئًا. مؤذن ينادي. باب يُفتح. عربة تتحرك. رجل يصرخ في بائع. عامل يركض نحو الرصيف. وسمكة تُرمى على طاولة في السوق. الحياة تعود، كما لو أن الليل لم يكن موجودًا. نظرت فريا إلى تمثال الملكة فكتوريا. ثم إلى الجبال. ثم إلى البحر.
وفكرت أن المدن لا تُقاس بعدد السفن التي تدخل موانئها، ولا بحجم تجارتها، ولا بما تقوله الخرائط عنها. المدينة الحقيقية هي ما يبقى في قلبك حين تغادرها. وفي تلك اللحظة، أدركت أن عدن دخلت قلبها قبل أن تدخل هي قلب عدن. رفعت حقيبتها الصغيرة.
قال ستيوارت: -موعد الرحيل صباحًا.
أجابته: -إذن لدينا هذه الليلة كلها.
قال: -لقد انتهت الغارة.
ابتسمت.
-أنا لا أتحدث عن الغارة.
وفي الأسفل، كان الفجر يفتح أبوابه على التواهي. كان البحر هادئًا. هادئًا إلى حد يجعل المرء يشك في أنه شهد شيئًا في الليل. لكن المدينة كانت تعرف. والمدينة، مثل البحر، لا تنسى.

زر الذهاب إلى الأعلى