حين تَنْصَهِرُ النُّدُوبُ زِناداً

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج
حين تَنْصَهِرُ النُّدُوبُ زِناداً،
تُولَدُ مِنْ رَمادِ الجُرُوحِ شَمْسٌ لا تَغْرُبُ..
فَتِلْكَ النُّدُوبُ الَّتِي حَسَبْتَهَا قَبْراً،
أَضْحَتْ عَنَاقِيدَ فُلٍّ تَتَطَاوَلُ نَحْوَ النُّورِ،
وَطَوْقاً مِنْ يَاسَمِينٍ يُعَطِّرُ عُنُقَ الرُّوحِ.
الرُّوحُ تَقْرَأُ الرُّوحَ..
كَمَا يُقْرَأُ المُصْحَفُ بِلَا حَاجَةٍ إِلَى تَفْسِيرٍ..
وَالْعُيُونُ مَرَايَانَا تَنْعَكِسُ فِيهَا الْأَسْرَارُ،
وَقَلْبُكَ صَدَى فُؤَادِي يَرْتَدُّ فِي صَمْتِ الْجِبَالِ.
لِأَنَّ هَذَا الْوَجَعَ خَلَقَ مِنَّا إِنْسَاناً وَاحِداً..
نَتَنَفَّسُ الْحُلْمَ ذَاتَهُ،
وَلِأَصْوَاتِنَا الْبَاحَّةِ لَبٌّ وَاحِدٌ..
وَالْغُصَّةُ تَتَسَاوَى فِي حَلْقِنَا،
كَأَنَّمَا تَخْرُجُ مِنْ مَجْرًى وَاحِدٍ!
رَدُّ فِعْلٍ يَأْبَى الرُّكُوعَ..
ثَوَرَةٌ لَوْ حَطَّتْ عَلَى صُدُورِ الْبُرْكَانِ،
لَأَشْعَلَتْهَا حُمَماً مُتَقِدَةً تَأْكُلُ الظَّلَامَ.
الْأَرْوَاحُ تَفِيضُ بِذَاكَ..
تَصْرُخُ.. لَا تَقْبَلُ الضَّيْمَ،
وَتَتَشَابَكُ الْأَيَادِي فِي وَحْدَةِ الْقَدَرِ،
لِتَجْتَثَّ هَذَا الْغُثَاءَ،
وَهَذَا الْوَجَعَ الْجَاثِمَ عَلَى الصُّدُورِ.
فَتَلْتَقِي السَّوَاعِدُ فِي مُنْعَطَفِ الْمَوَاقِفِ..
فَيَشُدُّ الزِّنَادَ الزِّنَادُ،
وَيَرْفِدُ السَّاعِدَ السَّاعِدُ.
فَلَا يُؤْكَلُ الْقَطِيعُ إِلَّا حِينَ يَأْكُلُهُ التَّفَرُّدُ..
حَتَّى الْأُسُودُ وَهِيَ تَفْتِكُ بِضَحِيَّتِهَا،
تَقِفُ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ،
تَسْتَأْسِدُ عَلَى الِاخْتِلَافِ،
وَتَفْتِكُ بِالْقَطِيعِ فَرْداً فَرْداً!
نَحْنُ تَعَلَّمْنَا الدَّرْسَ..
وَنَحْلُمُ أَنْ لَا نَنْسَاهُ..
تَعَلَّمْنَا أَنْ نَكُونَ حُزْمَةً وَاحِدَةً..
حَتَّى نَكُونَ حُزْمَةً عَصِيَّةً عَلَى الْكَسْرِ.