آداب وفنون

التداوي بالفلسفة.. علاج للنفس أم امتياز طبقي؟

كريترنيوز/ متابعات /منى خليفة الحمودي

 

ينتمي كتاب «التداوي بالفلسفة» لسعيد ناشيد إلى تقليد فلسفي قديم يكاد يكون منسياً في زماننا، وهو التقليد الهلنستي الذي رأى في الفلسفة علاجاً للنفس لا ترفاً نظرياً معزولاً عن الحياة، فمن الرواقيين إلى الأبيقوريين، يعلن ناشيد هذا الانتماء صراحة حين كتب «إذا لم تنفعك الفلسفة في مواجهة أشد ظروف الحياة قسوة، فإنها تفقد صلتها بوظيفتها الأولى»، في مواجهة ثقافة معاصرة حولت «التنمية الذاتية» إلى سوق استهلاكية، بينما بقيت الفلسفة الأكاديمية حبيسة قاعات الدرس، وينجح الكتاب في مهمته الأولى من خلال تبسيط أفكار عميقة دون تسطيحها، بحيث يخرج القارئ بأدوات فعلية للتفكير في الألم والملل والموت، مسندة إلى معرفة نظرية رصينة لا انطباعية. غير أن أكثر ما يميز الكتاب هو أسلوبه في معالجة الملل، الذي يرفض اعتباره فراغاً يستوجب الهروب إليه بالتسلية، بل يقرأه بوصفه مرآة تكشف عجز الإنسان عن مواجهة نفسه حين تسكت الضوضاء من حوله، وهذا الطرح يحمل جرأة نادرة في زمننا الحالي، إذ تُقدَم فيه كل تجربة غير مريحة كمشكلة يجب حلها فوراً بدل فهمها بعمق، وبالمثل حين يتناول البساطة، لا يقدمها كوصفة تقشف، بل كتحرر من منطق المقارنة الذي تغذيه أسواق المكانة الاجتماعية، فتصبح غاية الحياة البسيطة تحرير الوعي من الأوهام لا الزهد في الممتلكات بذاته.

لكن هذا الطموح العلاجي يصطدم بحدوده حين يُختبر خارج النخبة المتعلمة التي يخاطبها الكتاب، فالدعوة إلى ضبط الحاجات والاكتفاء بأقل قدر من الأوهام تفترض ذاتاً تملك أصلاً شرط الاختيار بين الوفرة والزهد، وهذا الافتراض يظل محدود المشروعية أمام من يعيش الحرمان بحكم ظرفه الاجتماعي والاقتصادي لا باختياره، كذلك يبقى تعامل الكتاب مع المرض والشيخوخة أقرب إلى إعادة تأطير نفسي للألم منه إلى مساءلة الشروط الاجتماعية والمادية التي تجعل بعض الناس أكثر عرضة للمعاناة من غيرهم.

ورغم هذا التحفظ المنهجي، يظل إسهام الكتاب الحقيقي في أنه يعيد للفلسفة وظيفتها الأخلاقية، من خلال تفكيك الطريقة التي نصوغ بها أسئلتنا قبل البحث عن أجوبة، فناشيد لا يعد بعلاج سريع، بل يقترح تمريناً مستمراً على اليقظة، ومقاومة لعيش آلي يكرر عادات لم يخترها أحد بوعي حقيقي، وهذا وحده كافٍ لجعل الكتاب جديراً بالقراءة أكثر من مرة واحدة

زر الذهاب إلى الأعلى