آداب وفنون

«أدب الرسائل».. وهج غزاه وميض الشاشة ففرّ سحر الحبر

خليل الشيخ

خليل الشيخ
علي بن تميم

علي بن تميم
فاطمة المزروعي

فاطمة المزروعي

لم تختفِ الرسائل من حياتنا، بل ربما لم يسبق للإنسان أن أرسل واستقبل هذا العدد منها كما يفعل اليوم، مئات الرسائل تعبر هواتفنا يومياً، بين تطبيقات المحادثة والبريد الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، لكن شيئاً ما تغير في الطريق بين صندوق البريد وشاشة الهاتف؛ اختفى الورق والخط الشخصي والطابع، وتقلص زمن الانتظار من أيام وربما أسابيع إلى ثوانٍ، وأصبحت جملة قصيرة أو رمز تعبيري أو تسجيل صوتي قادرة على أن تحل محل صفحة كاملة من الكلمات.

لكن هل تغيرت وسيلة الرسالة فقط، أم تغيرت الرسالة نفسها؟ وهل ما زال ممكناً الحديث عن «أدب الرسائل» في عصر التكنولوجيا والرسائل الفورية؟

السؤال عاد إلى الواجهة على هامش «ملتقى أدب الرسائل» الذي نظمته مؤخراً مكتبة محمد بن راشد، محتفياً بالرسالة بوصفها فناً أدبياً وتجربة إنسانية وثقافية حفظت عبر الزمن أفكار المبدعين ومشاعرهم وعلاقاتهم، ومستعرضاً تجارب الرسائل في الثقافة الإماراتية والعربية والعالمية، وصولاً إلى التحولات التي أصابتها في العصر الرقمي.

الفن باقٍ والوظائف تتغير

وأكد الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، أن الحديث عن فقدان أدب الرسائل يتجاهل حقيقة أن هذا الفن نفسه لم يكن ثابتاً عبر تاريخه، وإنما تغيرت أشكاله ووظائفه وتقنياته مع تغير العصور.

وقال: «في الواقع لم نفتقد أدب الرسائل، لكن تغيرت طبيعته، حيث كانت هناك الرسائل الديوانية والرسائل الأدبية والرسائل الشعرية، وكل شكل من أشكال هذا النوع الأدبي له بالضرورة شروطه الخاصة».

وأضاف: «لا شك أن الرسائل الديوانية، على سبيل المثال، انتهت إلى الأرشيف، والرسائل الشعرية تغير شكلها وأصبحت مجاراة، وهكذا تتغير الشروط وتتبدل، لكن فن الرسالة ما زال حياً وموجوداً، وإن كانت له اليوم شروط مختلفة عن الرسائل القديمة».

ويمتد التحول بحسب رأيه إلى مفهوم «الرسالة» نفسه، موضحاً: «الرسالة بمفهوم أبي العلاء المعري انتهت اليوم إلى أطروحة ورسالة جامعية؛ فالوظائف تغيرت وتبدلت».

وأشار إلى أهمية إعادة طرح هذا الفن في سياق معاصر، مؤكداً أنه من الجيد أن تكرس مكتبة محمد بن راشد هذا الملتقى للحديث عن الرسائل وطبيعتها وتقنياتها وتطورها وتغيرها، وهذا ما سعينا إلى استكشافه منذ ما قبل الإسلام حتى يوم الناس هذا.

ويرى الكاتب والناقد الدكتور خليل الشيخ أن أدب الرسائل لم يختفِ تماماً، لكنه تحوّل مع التطور التقني إلى نوع مختلف من الرسائل يقوم على التواصل السريع، موضحاً أن وسائل التواصل الحديثة أضفت على العلاقة بين الناس قدراً كبيراً من السرعة والاختصار والوظيفية.

وقال: «اختفى من الرسائل ذلك الطول والتأمل والجمال، فهذا العصر يتسم بإيقاع سريع في جوانب كثيرة من الحياة، ومن الطبيعي أن تتشكل الرسائل وفقاً لطبيعته، كان في الرسائل القديمة قدر من الحميمية والتصوير والجماليات، وهذا كله يكاد يكون قد تلاشى».

وأكد أن التواصل بين الناس ما زال قائماً بطبيعة الحال، وربما توجد مراسلات خاصة لا نعرف عنها، لكننا لا نرى حتى الآن رسائل منشورة تشبه تلك التي عرفناها في بدايات القرن الماضي، مثل رسائل فدوى طوقان وأنور المعداوي، أو غسان كنفاني وغادة السمان، أو جبران خليل جبران ومي زيادة، هذا النوع من الرسائل ذهب إلى حد كبير، وحلّت مكانه اليوم علاقات سريعة ومباشرة وقصيرة.

من الصندوق إلى الشاشة

وترى الكاتبة فاطمة المزروعي أن الرسائل الفورية صنعت لغة أسرع وأقصر، تعتمد أحياناً على الاختزال والصورة والرمز بدلاً من الشرح، مضيفةً: «لا ينبغي أن يُقرأ هذا الأمر بوصفه تراجعاً لغوياً بالضرورة.

فكل وسيلة اتصال تخلق أدواتها التعبيرية الخاصة، ولكن ربما علينا أن نقر بأننا فقدنا المعاني التي كان يحملها خط اليد، فالرسالة المكتوبة بخط اليد لا تحمل الكلمات وحدها؛ تحمل خط صاحبها، وتردده أحياناً، والشطب والتصحيح، ونوع الورق، وربما تحمل تاريخاً مكتوباً في أعلاها ومكاناً أرسلت منه».

وتابعت: «علاوة على ذلك كانت اللهفة والتشوق إلى تلقي الرد، الذي يستمر أحياناً أسابيع، هذه أشياء كان تصنع مزاج الإنسان، وتمنحه أملاً وشيئاً ينتظره، وهذا ما لن يعيشه جيل اليوم، الذي لم يعد مضطراً لانتظار رد أو رسالة، وربما يكون مفهوم «انتظار الرسالة» نفسه غريباً عليه».

مشيرة إلى أن جيل اليوم بالمقابل طور طرقاً أخرى للتعبير لم تكن متاحة لكاتب الرسالة التقليدية، فالنص يمكن أن ترافقه صورة، أو مقطوعة موسيقية، أو رمز تعبيري، أو مقطع فيديو، ويمكن للصوت نفسه أن يصبح رسالة.

وأردفت: «ربما لا توجد علامة على التحول الذي أصاب الرسالة أوضح من الرمز التعبيري، شعور كان يحتاج إلى جملة يمكن التعبير عنه اليوم بوجه ضاحك أو قلب أو إشارة واحدة، وربما أفقرت هذه الاختصارات التعابير اللغوية، وقتلت الكلمات. ولكن هذه كلها من مدخلات العصر».

زر الذهاب إلى الأعلى