آداب وفنون

الفرقان : البصيرة والبرهان من الظن إلى اليقين.. فقه التثبت بين نور العقل وصفاء القلب في زمن الضجيج

بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي

الحمد لله الذي جعل للحق نورا يهدي، وللباطل ظلمة تنكشف، وجعل للقلوب بصيرة إذا صفت، وللعقول حجة إذا تجردت، والصلاة والسلام على من بعثه الله فرقانا بين الهدى والضلال.

إن أعظم ما يبتلى به الإنسان في مسيرة عمره ليس غياب الحق، فإن الحق باق بنور الله، وإنما البلاء كل البلاء أن تتداخل عليه السبل وتتشابه عليه الأصوات حتى يظن أن الحق قد ضاع. وما ضاع الحق في ذاته، وإنما ضاعت عين المبصر حين غطاها هوى متبع، أو عصبية عمياء، أو ضجيج كثرة لا ترحم. فالحقيقة ثابتة راسخة رسوخ الجبال، ولكن الوصول إليها سفر يحتاج زادا، زاده عقل متجرد لا يخضع لسلطان الأشخاص، وقلب سليم قد غسل من أدران الكبر والحسد، ونفس حرة لا تبيع ميزانها بثمن بخس من رضا الناس أو خوفهم.

إن المعرفة التي يريدها الإسلام ليست معرفة عابرة تبنى على انطباع سريع أو كلمة طائرة في مجلس، وليست معرفة تحسب بكثرة الأصوات العالية. كم من مشهور بين الناس وهو باطل، وكم من متداول على الألسن وهو كذب، وكم من رأي اجتمع عليه جمع كثير وهو لا يزن عند الله جناح بعوضة. لماذا، لأن معيار الحق في شريعة الله ليس عدد المصفقين، وإنما قوة البرهان، وسلامة الدليل، واستقامة الاستدلال. فالواحد ومعه الدليل أقوى من الألف بلا دليل.

وإذا أردت أن تعرف سر ضياع البصيرة فانظر إلى القلب. القلب هو بوابة العقل. إذا تطهر القلب من الكبر الذي يمنعه أن يقبل الحق إذا جاء من غير جماعته، ومن الحسد الذي يجعله يتمنى زوال النعمة عن غيره فلا يرى فضله، ومن العصبية التي تجعله يرى قومه دائما على صواب، إذا تطهر من هذه الثلاث أصبح مرآة صافية تنعكس عليها أنوار الحكمة. أما إذا تلوث القلب بشهوات النفس وحب الظهور والانتصار للذات، فإنه يقلب الموازين، فيرى الباطل حقا لأنه يوافق هواه، ويرى الحق باطلا لأنه يخالف مصلحته. ولذلك لم يكن أهل التربية والسلوك حين تحدثوا عن تزكية النفس يتحدثون عن زهد مجرد، بل كانوا يقررون قاعدة معرفية كبرى، وهي أن تزكية النفس شرط لصحة الإدراك، وأن طهارة القلب شرط لصحة النظر.

ولتقريب هذا المعنى تأمل في الضوء. الضوء واحد، لكنه إذا مر عبر زجاج صاف نقي خرج صافيا نقيا كما هو، وإذا مر عبر زجاج ملوث مغبر أو مشروخ خرج مشوها متكسرا، مع أن الضوء لم يتغير في ذاته، وإنما تغير الوسط الذي مر به. كذلك الحق، هو نور واحد، إذا مر عبر قلب نقي وعقل منصف وصل إلى صاحبه صافيا، وإذا مر عبر قلب مثقل بالأهواء والضغائن خرج مشوها، فيظن صاحبه أنه على حق وهو على باطل. وهذا مثل لتقريب الفهم وليس وصفا علميا دقيقا لعمل النفس.

من أجل هذا الارتباط العميق بين طهارة القلب وصفاء البصيرة، ربط القرآن الكريم ربطا مباشرا بين التقوى والفرقان، فقال جل جلاله يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا. والفرقان هنا ليس ذكاء حادا يكتسب بالكتب وحدها، بل هو نور يقذفه الله في قلب المتقي، به يميز بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الصواب والخطأ، وبين النافع والضار. فالتقوى تزيد البصيرة جلاء، والمعصية والهوى يزيدانها ظلمة واضطرابا.

ثم إن القرآن رسم منهجا للباحث عن الحق لا يضاهيه منهج، فقال سبحانه فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. تأمل لم يقل الذين يستمعون قولا واحدا، بل قال القول بالجمع، أي يسمعون كل الآراء، ثم لا يتبعونها كلها، بل يزنونها بميزان الحق والدليل فيتبعون أحسنها وأقربها للبرهان. هذا هو منهج العالم المنصف والباحث المتجرد، يسمع ولا يتعصب، ويقارن ولا يتحيز، ويختار ما وافق الدليل لا ما وافق هواه. وهذا هو عين العقل.

وفي المقابل حذر القرآن من منهج الظنون، فقال وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا. فالظن قد يكون بداية طريق البحث، قد تظن ثم تبحث لتتيقن، لكن الظن لا يصلح أبدا أن يكون نهاية الحكم، فلا يجوز أن نبني حكما على احتمال، ولا أن نساوي بين اليقين والوهم، ولا أن نرفع الشك إلى منزلة الحقيقة. والإسلام دين يفرق بدقة بين مراتب العلم، فهناك يقين وهناك ظن راجح وهناك وهم، ولكل مقام حكمه.

وجاءت السنة النبوية لتضع قاعدة ذهبية جامعة تحفظ القلب والعقل معا، وهي قوله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. ما أعمقها من قاعدة، إنها تقول لك اترك ما يورث في قلبك قلقا وشكا واضطرابا، وتمسك بما يورثك طمأنينة مبنية على صدق ودليل. وهي قاعدة في التزكية، وقاعدة في بناء المعرفة، وقاعدة في صيانة الضمير من أن يتورط في ظلم الناس أو الحكم عليهم بلا بينة.

ولهذا فإن طالب الحق الصادق لا يربط الحق بالأشخاص، فلا يجعل شخصا أو جماعة أو اسما كبيرا هو معيار الحق، بل يجعل الحق هو المعيار للأشخاص. فإذا ظهر له الدليل قبل الحق ولو خالف هواه وجماعته وقبيلته، وإذا تبين له خطأ نفسه رجع عنه فورا بلا تردد، لأن الرجوع إلى الحق فضيلة ترفع الإنسان، والإصرار على الباطل بعد وضوح الدليل نقص في العقل قبل أن يكون نقصا في الدين.

إن ميزان المؤمن الحقيقي ليس كثرة المتابعين ولا ضجيج المنصات ولا تصفيق الجماهير، إن ميزانه آية واحدة تزل كل دعوى بلا دليل، وهي قوله تعالى قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. فكل دعوى بلا برهان ساقطة، وكل اتهام بلا بينة ظلم، وكل خبر بلا تثبت فتنة توقد نارها بين الناس. أما البرهان فهو الجسر المتين الذي يعبر بالإنسان من عالم الظنون المضطرب إلى عالم اليقين الواسع، ومن قلق الأوهام إلى سكينة الإيمان.

وبهذا يتضح أن العقل في الإسلام ليس خصما للإيمان، بل هو خادمه الأمين الذي يفهم الوحي ويحمله، وأن القلب ليس بديلا عن البرهان، بل هو الوعاء الطاهر الذي يستقبل البرهان إذا صفا من الهوى. فإذا اجتمع نور العقل المتجرد وصفاء القلب التقي وهداية الوحي الرباني، استقام الإنسان على منهج الحق، وصار من أهل البصيرة الذين قال الله فيهم أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب.

فالعلم الصحيح والقلب السليم والتثبت في الأقوال والأحكام هي الأركان الثلاثة التي تحفظ المؤمن من مزالق الفتن، وتجعله ثابتا كالجبل لا تزعزعه الشائعات ولا تغره الكثرة ولا تحجبه الأهواء عن نور اليقين الذي يهدي الله به من يشاء إلى صراط مستقيم.

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
الفرقان : البصيرة والبرهان من الظن إلى اليقين، فقه التثبت بين نور العقل وصفاء القلب في زمن الضجيج …

زر الذهاب إلى الأعلى