آداب وفنون

خلية حوثية برائحةُ العيدِ واللخم

كريترنيوز /آداب

كان ساحلُ البريقة الذهبيِّ عند الفجرِ رماديًّا كصفيحةِ قصديرٍ منسيّةٍ، ولم يكن السكونُ الذي يلفُّ قريةَ الخيسةِ سكونَ طمأنينةٍ، بل سكونَ من يحبسُ أنفاسَه خشيةَ أن يوقظَ وحشًا نائمًا.
خرجتُ إلى الساحلِ كما خرجَ أبي قبلي، وجدّي قبلَ أبي، نحملُ في دمِنا ملحَ هذا البحرِ ورائحةَ العيدِ واللخمِ المجفَّف. غير أنّ خطواتي اليومَ لم تكن كخطواتِهم؛ فقد مشَوا نحوَ البحرِ وفي صدورِهم رجاءٌ، أمّا أنا فأمشي وفي ظهري دويٌّ بعيدٌ يقتربُ كلَّ ليلةٍ أكثر.
البريقةُ… تلك التي كانت ملعبَنا، صارتِ اليومَ خزّانًا من الخوف. صهاريجُ الوقودِ تتربّصُ كقنابلَ صامتةٍ، والميناءُ النفطيُّ يرقدُ على مرمى حجرٍ من بيتي الطينيّ، ومعسكراتُ صلاحِ الدينِ تطوّقُنا كحبلٍ يُشدُّ ببطءٍ حولَ العنق. أسمعُ في الليلِ أزيزَ القذائفِ على الجبهاتِ البعيدةِ، فأضمُّ ابنتي إلى صدري وأعدُّ أنفاسَها، وأفكّرُ: لو أصابتْ قذيفةٌ تلك الخزّاناتِ، لما بقي من الخيسةِ سوى رمادٍ تذروه الريح.
دفعتُ قاربي إلى الماءِ، والشمسُ تبزغُ متثاقلةً كأنّها هي الأخرى تخشى ما ترى. رميتُ الشِّباكَ، لا لأنّ البحرَ سخيٌّ هذه الأيّامَ، بل لأنّ الصيدَ هو كلُّ ما تبقّى لي من كرامةٍ.
على البعدِ، كانتِ الفلل الفاخرةُ التي شيّدتها بريطانيا يومًا لضبّاطِ المصافي تلمعُ بزجاجِها على ساحلِ البريقة. اليوم تمسحُ زوجتي بلاطَ من جاؤوا نازحين فأقاموا سادةً، ويغسلُ ابني — ذو الأعوامِ الاثني عشرَ — سياراتِهم الفارهةَ التي لا تصلُ يداه إلى مقودِها إلّا حُلمًا. ومنظّماتُ الإغاثةِ تمرُّ بنا كأنّنا لسنا هنا، تصبُّ خيرَها على الوافدينَ وتطوي خرائطَها عن أبناءِ الأرض. نحنُ — ملّاكُ البحرِ بالوراثةِ — صِرنا نشتري قوتَنا ممّن كانوا بالأمسِ لا يملكونَ شيئًا.
عادَ الشِّباكُ اليومَ شبهَ فارغٍ: بضعُ سمكاتٍ صغيرةٍ، وقرشٌ يافعٌ طلبتُ من أمّي أن تملّحَه فيصيرَ لخمًا أبيعُه بدقيقٍ. جلستُ على الرملِ أنظرُ إلى يديَّ الخشِنتَين، وأتذكّرُ أيّامًا كنتُ فيها مرشدًا، أقودُ السيّاحَ في جولاتٍ بحريّةٍ، أريهم جمالَ البريقةِ وأروي لهم حكاياتِ الصيّادين. أين ذهبَ أولئكَ الزوّار؟ أين ذهبَ ذلك البحرُ الذي كان يضحكُ لنا؟
—
وفجأةً لمحتُ رجلًا يرتدي ثيابَ أهلِ الدينِ، واقفًا عند مدخلِ عريشي، لحيتُه مشذّبةٌ وعينُه لا تستقرُّ على شيء. سألتُه عمّا يريد، فقالَ بلهجةٍ ليست من لهجاتِ السواحلِ إنّه يبحثُ عن عريشٍ للإيجار، وعرضَ مبلغًا سخيًّا جعلَ قلبي يرقصُ رغمَ غرابةِ القادم. قبلتُ، وأجّرتُه العريشَ، وعملتُ عندَه معينًا على ما يحتاج.
كان قليلَ الكلامِ، كثيرَ المراقبة. وفي المساءِ الثاني، قدّمتُ له الشايَ وسألتُه بسذاجةِ الصيّاد: «من أيِّ البلادِ أنتَ يا شيخ؟ لهجتُك غريبةٌ على أذني.»
ابتسمَ ابتسامةً باردةً وقال:
— «من بلادِ اللهِ الواسعة. نحن دعاةٌ، نذهبُ حيثُ تذهبُ الدعوة.»
— «والدعوةُ ساقتْك إلى الخيسة؟ ما عندنا إلّا السمكُ والفقر.»
صمتَ، ثمّ قال وعينُه على البحر: «عندكم ما هو أثمنُ من السمك… عندكم موقعٌ: البحرُ والميناءُ والخزّانات. من يملكُ النارَ يملكُ القرار. ليلةَ العيدِ سترونَ نارًا لم ترَها البريقةُ من قبل، وسيقولون إنّه المركز الدعوي. وما المركز الدعوي إلّا اسمٌ نلبسُه كما نلبسُ هذا الثوب.»
وفي لحظةِ غفلةٍ، أضاءَ هاتفُه فرأيتُ شارةً حوثيّةً، وخريطةً للميناءِ عليها دوائرُ حمراءُ عند الخزّانات. أدركتُ أنّ ثوبَ الدينِ قناعٌ، وأنّ «الشيخَ» ضابطٌ في خليّةٍ تتظاهرُ بالعمل الدعويِ لتضلّلَ الناسَ، بينما هي عيونٌ للحوثيّين، جاؤوا ليحوّلوا ليلةَ العيدِ إلى جحيم.
قرّرتُ أن أُبلّغَ، لكنَّ عينَه قرأتْ ما في وجهي. صاحَ بي أن أبقى، وانتزعَ هاتفي، وقالَ بصوتٍ باردٍ كأنفاسِ الموت: «لا تخرجْ حتى تنتهي اللّيلةُ، وإلّا دفنّاك في رملِك، وذبحنا من ينتظرونَك في البيت.»
—
في بيتي الطينيِّ، كانت زوجتي تضعُ آخرَ ما في الكيسِ من دقيقٍ، وتنظرُ إلى الطريقِ المظلم. قالت أمّي وهي تملّحُ اللخم: «تأخّرَ ولدي الليلةَ… ما كان يتأخّرُ هكذا.»
همستِ الزوجةُ وهي تضمُّ الصغيرة: «البحرُ يا أمّاه… لعلّ الشِّباكَ عَلِقتْ.»
ووقفَ ابني عند البابِ يشدُّ قميصَه كالرجال: «سأذهبُ لأبحثَ عن أبي.»
فأمسكتْ أمُّه ذراعَه ترتجفُ: «لا تتركني وحدي… كلُّنا ننتظرُه هنا.»
وجلسوا حولَ فانوسٍ خافتٍ، والدعاءُ على شفاهِهم، والريحُ تحملُ رائحةَ الملحِ والخوف.
—
مرّتِ الساعاتُ في العريشِ ثقيلةً كصخرٍ على الصدر، حتى سمعتُ (رجالَ الدعوة المزيفين) يحشونَ السلاحَ ويتّجهونَ نحوَ الميناء. علمتُ أنّ الساعةَ اقتربتْ. في زاويةِ العريشِ، تحتَ أكوامِ الشِّباكِ، كان منفذٌ صغيرٌ حفرتُه يومًا لتصريفِ ماءِ المطر. انسللتُ منه كما تنسلُّ السمكةُ من بين أصابعِ الصيّاد، وزحفتُ على الرملِ البارد. فما إنِ ابتعدتُ خطواتٍ حتى دوّتْ خلفي صيحةٌ: «الصيّادُ هربَ! أمسكوه!»
انطلقتُ أركضُ، والرملُ يشدُّ قدميَّ، وأنفاسي تمزّقُ صدري. دوّتْ طلقةٌ فوقَ رأسي فانبطحتُ، ثمّ نهضتُ أراوغُ بين القواربِ المقلوبةِ كما علّمني البحرُ أن أراوغَ الموج. الرصاصُ يحفرُ الرملَ عند كعبي. قفزتُ فوقَ صخرةٍ، فلمحتُ أضواءَ المعسكرِ تومضُ، فعدوتُ كأنّ الموتَ نفسَه يطاردني — وكان يطاردني حقًّا.
سقطتُ على ركبتيَّ عند البوّابةِ، وألقيتُ بكلِّ ما سمعتُ ورأيتُ: الخليّةُ، الميناءُ، الخزّاناتُ، ليلةُ العيد. فتحرّكتِ المدرّعاتُ بأضوائِها المطفأةِ نحوَ الساحل، وتبعتُهم أدلُّهم على الطريق.
عند أوّلِ خزّانٍ تحرّكتْ ظلالٌ تحملُ عبواتٍ وأسلاكًا. صاحَ الضابطُ: «قِفوا!» فكانتْ أوّلَ رصاصةٍ تمزّقُ سكونَ الفجر. اشتعلتِ الأرضُ نارًا متبادلةً، والوميضُ الأحمرُ يتراقصُ على وجهِ البحر. رأيتُ أحدَهم يركضُ نحو الخزّانِ وبيدِه ولّاعةٌ، فصرختُ: «الخزّان!» فانطلقتْ رصاصةٌ دقيقةٌ أسقطتِ الولّاعةَ قبلَ أن تلمسَ الوقود، وسقطَ الرجل. وأدركَ الباقونَ أنّ اللّيلةَ ليستْ لهم، فتفرّقوا نحو الوديانِ كالفئران.
ولمحتُ «الشيخَ» يخلعُ ثوبَ الدينِ ويرميهِ على الرملِ، ويركضُ نحوَ قاربي أنا — قاربِ أبي وجدّي — ليهربَ في بحري! لم أحتملْ أن يدنّسَ ماءَ أجدادي، فنسيتُ الرصاصَ والخطرَ وانطلقتُ خلفَه أعرفُ كلَّ صخرةٍ وكلَّ موجةٍ في هذا الساحل.
دفعَ القاربَ إلى الماءِ، فقفزتُ عليه من الخلفِ، فتشابكنا فوقَ الألواحِ المبلّلة. كان أقوى منّي، لكنَّ البحرَ كان حليفي. تمايلَ القاربُ مع موجةٍ فاختلَّ توازنُه، فدفعتُه بكلِّ ما تبقّى فيَّ، فسقطَ في الماءِ البارد. حاولَ أن يصرخَ، فملأَ الموجُ فمَه بالملحِ الذي علّمني أبي أسرارَه، وتمسّكَ بحافّةِ القاربِ، فصرختُ به: «هذا بحرُ أجدادي… لا تموتُ فيه، بل تُحاكَمُ على أرضِه!»
وما هي إلّا لحظاتٌ حتى لحقَ بنا الجنودُ بزورقِهم، فانتشلوه مكبّلًا يلهثُ ويبصقُ الماءَ، وقد ذهبتْ عنه هيبةُ «الشيخِ» فلم يبقَ منه إلّا رجلٌ مبلّلٌ مذعورٌ، لا دينٌ ولا قاعدةٌ ولا شيء.
—
طلعَ الفجرُ على البريقةِ وقد نجتْ. الخزّاناتُ سالمةٌ، والميناءُ سالمٌ، والخيسةُ ما زالتْ على خريطةِ الأرض. ساقَ الجنودُ ما بقيَ من الخليّةِ، وتركوا على الرملِ ثيابَ الدينِ الكاذبةَ شاهدًا على خداعٍ كادَ يحرقُنا جميعًا.
وعدتُ إلى بيتي والشمسُ تبزغُ من جديدٍ، وثيابي مبلّلةٌ بماءِ البحرِ ودمِ الخدوش. فتحتُ البابَ، فهبّتْ زوجتي واقفةً والصغيرةُ في حضنِها، وسقطتْ أمّي عليَّ باكيةً، وارتمى ابني على صدري يردّدُ: «أردتُ أن أبحثَ عنك يا أبي… أردتُ أن أبحثَ عنك!»
ضممتُهم جميعًا، ورائحةُ اللخمِ المملّحِ تفوحُ من زاويةِ البيتِ ممتزجةً برائحةِ الفجرِ والنجاة. قالت أمّي وهي تمسحُ دمعتَها بطرفِ ثوبِها: «كلُّ شيءٍ بيدِ اللهِ يا ولدي، والبحرُ لم يخذلْ جدَّك يومًا… واليومَ لم يخذلْك أنت.»
ابتسمتُ لها، وأنا أعلمُ أنّ البحرَ لم يتغيّرْ، بل تغيّرَ كلُّ شيءٍ حولَه، وأنّ أرضي أنجبتْ من يحميها ولو كان صيّادًا فقيرًا لا يملكُ إلّا شباكَه وشجاعتَه.
وحين جاءَ المساءُ، فرشتُ اللخمَ على السطحِ ليجفَّ تحتَ النجومِ ليلًا وأشعّةِ الشمسِ نهارًا، ورفعتُ عينيَّ إلى السماءِ وقلتُ: الخيسةُ باقيةٌ ما بقيَ فينا نَفَسٌ، وغدًا عيدٌ، ورائحةُ العيدِ ورائحةُ اللخمِ ستملآنِ القريةَ من جديد… واللهُ كريم.

زر الذهاب إلى الأعلى