هل نومك مكتوب في جيناتك؟.. العلم يجيب

كريترنيوز /متابعات /نورا المرزوقي
لم يعد النوم مجرد عادة يومية يمكن تعديلها بسهولة، بل بات يُنظر إليه اليوم كعملية بيولوجية معقدة تتداخل فيها الجينات مع نمط الحياة والبيئة، فالدراسات الحديثة تشير إلى أن الطريقة التي ننام بها، سواء كنا نميل إلى السهر أو الاستيقاظ المبكر أو حتى وضعية النوم، قد تكون محددة جزئياً داخل حمضنا النووي، وليست مجرد نتيجة لروتين يومي أو تفضيلات شخصية.
الساعة البيولوجية… نظام داخلي لا نراه
يصف العلماء اختلاف مواعيد النوم بين الأفراد بمصطلح “النمط الزمني” (Chronotype)، وهو جزء من الساعة البيولوجية التي تنظم إيقاع الجسم على مدار 24 ساعة.
وتشير أبحاث منشورة في دوريات علمية مثل (Nature Genetics) إلى أن ما يقارب 40 إلى 50% من هذا الاختلاف يعود إلى عوامل وراثية، بينما تلعب البيئة دوراً مكملاً، وهذا ما يفسر لماذا يستيقظ بعض الأشخاص مع الفجر بنشاط، في حين لا يبلغ آخرون ذروة تركيزهم إلا في ساعات متأخرة من الليل.
كما يتغير هذا الإيقاع مع التقدم في العمر، إذ يميل الأطفال إلى الاستيقاظ المبكر، بينما ينجذب المراهقون بيولوجياً إلى السهر، قبل أن يعود كثير من البالغين تدريجياً إلى نمط أقرب إلى الصباح.
كم ساعة تحتاج؟ ليس رقماً واحداً للجميع
ورغم أن التوصيات الصحية، مثل تلك الصادرة عن مؤسسة النوم الوطنية (National Sleep Foundation)، تشير إلى أن البالغين يحتاجون بين 7 و9 ساعات يومياً، فإن هذا الرقم ليس ثابتاً للجميع.
فقد حددت دراسات جينية حالات نادرة لأشخاص يُعرفون بقصيري النوم الطبيعيين، يمكنهم الاكتفاء بـ 4 إلى 6 ساعات فقط دون تأثيرات سلبية واضحة، ويرتبط ذلك بتغيرات في جينات مثل DEC2، ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه الحالات محدودة، وأن معظم من يعتقدون أنهم لا يحتاجون إلى النوم الكافي، يعانون في الواقع من حرمان مزمن من النوم دون إدراك.
اضطرابات النوم… هل ترثها؟
يمتد التأثير الجيني أيضاً إلى اضطرابات النوم، فبحسب مراجعات علمية منشورة في (Sleep Medicine Reviews)، فإن قابلية الإصابة بالأرق قد تكون وراثية بنسبة تصل إلى 30–40%.
كما ترتبط حالات مثل النوم القهري أو اضطراب تأخر النوم بجينات محددة، إلا أن ظهورها غالباً ما يعتمد على عوامل بيئية مثل التوتر أو نمط الحياة غير المنتظم، وهذا يؤكد أن الجينات تهيئ، لكنها لا تحسم النتيجة.
ما يحدث أثناء النوم… عملية حيوية لا سكون
النوم ليس حالة خمول كما قد يُعتقد، بل نشاط بيولوجي مكثف، فوفق دراسات من (Harvard Medical School)، يقوم الدماغ خلال النوم بإعادة تنظيم الذاكرة، والتخلص من السموم العصبية، وتنظيم الهرمونات.
كما يلعب النوم دوراً محورياً في تحسين التركيز، ودعم الصحة النفسية، وتقوية جهاز المناعة، وهو ما يجعل أي خلل فيه ينعكس مباشرة على الأداء اليومي وجودة الحياة.
نمط الحياة… العامل الذي يغيّر المعادلة
ورغم هذا التأثير الجيني، لا يزال نمط الحياة العامل الأكثر تأثيراً في جودة النوم، فالتعرض للضوء الأزرق من الشاشات، على سبيل المثال، يمكن أن يؤخر إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن الشعور بالنعاس.
وتشير جهات صحية مثل مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) ومايو كلينيك (Mayo Clinic) أن عوامل مثل استهلاك الكافيين، وقلة النشاط البدني، وعدم انتظام مواعيد النوم، قد تُربك الساعة البيولوجية، حتى لدى من يمتلكون “جينات نوم جيدة”.
بين الجينات والاختيار
لا يمكن اختزال النوم في كونه عادة أو قراراً يومياً، فهو نظام بيولوجي دقيق، تتداخل فيه الجينات مع السلوك اليومي.
الجينات قد تحدد ميولك الأساسية، لكنها لا ترسم مستقبلك بالكامل، وفي عالم يتزايد فيه الضغط والإيقاع السريع، يبقى النوم الجيد ليس مسألة حظ جيني فقط، بل نتيجة توازن بين ما ورثته… وما تختاره كل يوم.