من الأرق إلى أمراض القلب.. الضوء الأزرق في قفص الاتهام

كريترنيوز /متابعات /رضا أبوالعينين
في ظل الاستخدام المتزايد للهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، يبرز “الضوء الأزرق” الصادر عن الشاشات كأحد الموضوعات الصحية المثيرة للجدل، بين من يرى فيه عاملا مؤثرا على النوم والصحة العامة، ومن يقلل من حجم أضراره المباشرة.
وتشير بيانات متداولة إلى أن أفراد جيل الألفية يتحققون من هواتفهم نحو 150 مرة يوميا، بينما يقضي المستخدم العادي أكثر من ثلاث ساعات يوميا أمام الشاشات، ما يسلط الضوء على دور الأجهزة الرقمية في الحياة اليومية، إضافة إلى تأثيرات الإضاءة المنبعثة منها.
ما هو الضوء الأزرق؟
الضوء الأزرق ليس ظاهرة حديثة مرتبطة بالتكنولوجيا فقط، بل هو جزء طبيعي من الطيف الضوئي، وتصدره الشمس باعتبارها المصدر الأكبر، كما ينبعث أيضا من أجهزة التلفاز والهواتف والشاشات الحديثة.
ويقع الضوء الأزرق ضمن نطاق تردد يتراوح بين 380 و500 نانومتر، ما يجعله قصير الموجة وعالي الطاقة مقارنة ببقية ألوان الطيف المرئي، وهو ما يجعله مسؤولا عن نحو ثلث الضوء المحيط بالبشر.
كما أن تشتت هذا النوع من الضوء في جزيئات الهواء والماء هو السبب العلمي وراء ظهور السماء باللون الأزرق.
تأثيره على الجسم البشري
يؤدي الضوء الأزرق دورا مهما خلال النهار في تعزيز الانتباه وتسريع الاستجابة، إلا أن التعرض له خلال الليل قد يسبب اضطرابات في الساعة البيولوجية للجسم.
وتشير الدراسات إلى أن الضوء الليلي يعد أحد العوامل المؤثرة في اضطراب النوم، ما قد يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالاكتئاب والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.
ويرتبط ذلك بتأثير الضوء على هرمون “الميلاتونين” المسؤول عن تنظيم النوم، حيث يؤدي التعرض للضوء الأزرق إلى تثبيط إفرازه، ما ينعكس على جودة النوم والإيقاع اليومي المعروف بـ”الساعة البيولوجية”.
نتائج دراسات علمية
أشارت دراسة أجرتها جامعة هارفارد إلى أن تغيير الإيقاع اليومي لدى المشاركين أدى إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم، ما وضعهم في حالة تشبه ما قبل الإصابة بالسكري، إلى جانب انخفاض هرمون “اللبتين” المسؤول عن الإحساس بالشبع.
كما أظهرت النتائج أن التعرض للضوء الأزرق لمدة 6.5 ساعات مقارنة بالضوء الأخضر أدى إلى تثبيط الميلاتونين بمعدل ضعف المدة (1.5 ساعة مقابل 3 ساعات).
وتوصي الدراسة بأن العاملين بنظام الورديات أو الأشخاص الذين يسهرون ليلا قد يستفيدون من استخدام وسائل حماية مثل النظارات الخاصة التي تحد من تأثير الضوء الأزرق.
الاستخدامات الوقائية
تتضمن وسائل الحد من تأثير الضوء الأزرق ليلا استخدام الإضاءة الحمراء الخافتة، باعتبارها أقل تأثيرا على الإيقاع البيولوجي، إضافة إلى الاعتماد على برامج وتقنيات تقوم بتصفية الضوء الأزرق من الشاشات خلال ساعات الليل، مثل برنامج “Flux”.
كما يُنصح بتقليل استخدام الشاشات قبل النوم قدر الإمكان، نظرا لدورها في اضطراب أنماط النوم.
تأثيرات إضافية ومخاطر محتملة
يصف بعض الخبراء الضوء الأزرق بأنه “ضوضاء بصرية”، إذ قد يؤدي الإفراط في التعرض له إلى إجهاد العين، والصداع، وتشوش الرؤية، وآلام الرقبة والكتفين.
ووفقا لتصريحات طبية، فإن قضاء أربعة أيام عمل كاملة (8 ساعات يوميا) أمام شاشة الكمبيوتر قد يعادل التعرض لكمية من الطاقة تقارب 20 دقيقة من ضوء الشمس في منتصف النهار.
كما تشير بعض الدراسات إلى أن اختراق الضوء الأزرق للجلد قد يؤدي إلى تكوين أنواع الأكسجين التفاعلية، ما قد يسبب تلفا في الحمض النووي وتفككا في الكولاجين والألياف المرنة، رغم أن الأدلة العلمية في هذا المجال لا تزال محدودة وغير حاسمة.
جدل علمي وتنظيمي
تباينت الآراء حول مدى خطورة الضوء الأزرق، خاصة فيما يتعلق بتأثيره على الجلد والعينين، حيث تشير بعض الأبحاث إلى أن الأضرار طويلة المدى غير مثبتة بشكل قاطع، وأن الأدلة المتوفرة لا تدعم وجود تأثيرات شديدة.
وفي المقابل، يرى مختصون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الضوء الأزرق نفسه بقدر ما يكمن في أنماط الاستخدام المطوّل للأجهزة الرقمية، وما يرافقه من آثار صحية ونفسية واجتماعية، تشمل السمنة، القلق، الاكتئاب، وتوتر العلاقات الاجتماعية.
ورغم عدم وجود إجماع علمي على حجم المخاطر المباشرة للضوء الأزرق، فإن المؤكد أن الاستخدام المفرط للشاشات يظل عاملا مؤثرا على الصحة العامة، خصوصا فيما يتعلق بالنوم وجودة الحياة، في ظل غياب حلول تنظيمية صارمة أو بدائل تقنية شاملة حتى الآن.