فاتورة الـ 100 مليار دولار.. من يدفع ثمن طاقة الذكاء الاصطناعي؟

كريترنيوز /متابعات /رشا عبد المنعم
بينما يتسابق العالم نحو “ثورة الذكاء الاصطناعي”، بدأت تظهر فاتورة خفية لا تُدفع في أروقة شركات التكنولوجيا، بل في محطات توليد الكهرباء وعلى فواتير المنازل.
لم تعد قضية الطاقة مجرد ملف تقني، بل تحولت إلى صراع نفوذ اقتصادي وسياسي؛ حيث تجد كبرى شركات المرافق اليوم نفسها في مواجهة “معضلة ثلاثية”: فكيف توازن بين تلبية نهم مراكز البيانات العملاقة للطاقة، وبين ضغوط التغير المناخي، وبين صرخات المستهلكين؟
إننا أمام مشهد يعيد رسم علاقة الإنسان بالآلة وبالأرض، في وقت لم يعد فيه استقرار التيار الكهربائي مجرد خدمة، بل ركيزة للأمن القومي والاستقرار المجتمعي.
كشف هاري سيديريس، الرئيس التنفيذي لشركة “دوك إنرجي” (Duke Energy) — وهي أضخم شركة مرافق، وتمتد جذورها لـ 125 عاماً،أن الشركة تخطط لإنفاق رقم قياسي في الصناعة يصل إلى 103 مليارات دولار للنمو خلال خمس سنوات فقط.
وأكد سيديريس في مقابلة مع مجلة “فورنتشن” أن هذا الرقم “الفلكي” مرشح للزيادة، قائلاً: “نحن في البداية فقط؛ هذا الأمر ليس مجرد طفرة عابرة، بل سيستمر في المستقبل المنظور”.
وتهدف الشركة، التي تتخذ من شارلوت مقراً لها، إلى إضافة حوالي 20 جيجاوات من توليد الطاقة الجديدة خلال عقد من الزمن عبر محطات الغاز، والطاقة الشمسية، وتخزين البطاريات، وتحديث الشبكات، دون استبعاد الطاقة النووية من الجيل التالي التي تطمح لإضافتها لاحقاً.
تعد “دوك إنرجي” المزود الرئيسي لعمالقة مثل أمازون، مايكروسوفت، جوجل، وميتا.
ويرى سيديريس أن كون الشركة “متكاملة عمودياً” يمنحها ميزة تنافسية كبرى؛ حيث يفضل المطورون التعامل مع جهة واحدة تتولى كل شيء من تخطيط الشبكة إلى توليد الطاقة.
ويؤكد أن السرعة هي الهدف الأول لهؤلاء المطورين الذين يسابقون الزمن في تنافس عالمي مع الصين على سيادة الذكاء الاصطناعي.
رغم تأكيدات سيديريس بأن مراكز البيانات لا تمثل سوى جزء بسيط من زيادة الأسعار، إلا أن الوضع أشعل فتيل صراع مع حاكم ولاية كارولينا الشمالية الديمقراطي، جوش شتاين.
واشتكى شتاين من أن الشركة تطلب زيادة في الأسعار بنسبة 15% بالإضافة إلى 800 مليون دولار كأعباء وقود إضافية، معتبراً أن الشركة تنقل “تكلفة الكهرباء من كبار المستخدمين الصناعيين إلى كاهل المستهلكين، مما يجعل فواتير الخدمات أكثر تكلفة”.
ويرد سيديريس بأن صفقات مراكز البيانات تتطلب من الشركات الكبرى دفع ثمن بنيتها التحتية الخاصة، وأن زيادة الأسعار ضرورية بسبب النمو السكاني (200 ألف شخص ينتقلون لمنطقة خدمة الشركة سنوياً) وحاجة الشبكة إلى “التصليد” لمواجهة الظروف الجوية القاسية الناتجة عن تغير المناخ.
لإدارة هذا الضغط، طبقت الشركة “إدارة جانب الطلب”، وهي الأولى من نوعها التي تلزم مراكز البيانات بالاعتماد على طاقتها الاحتياطية في أيام الذروة (أبرد وأحر أيام السنة) لمدة تصل إلى 50 ساعة سنوياً.
ولكن، لتلبية هذا النهم، وجدت الشركة نفسها مضطرة لإبقاء بعض محطات الفحم “الأكثر تلوثاً” تعمل لفترة أطول مما كان مخططاً له، مما أخر هدف التخلص التدريجي من الفحم بحلول عام 2035.
وبرر سيديريس ذلك بقوله: “سنضمن دائماً الحفاظ على الموثوقية والقدرة على تحمل التكاليف أولاً، ثم ننتقل إلى الطاقة النظيفة بشكل متزايد”.
تواجه الشركة تحدياً من نوع آخر يصفه سيديريس بمصطلح “BANANAs” (Build Absolutely Nothing Anywhere Near Anything)، وهي معارضة تتجاوز مجرد رفض بناء المشاريع في “الفناء الخلفي” لتشمل رفضاً كلياً لأي بنية تحتية جديدة.
وحذر سيديريس من أن التكاليف سترتفع بشكل أكبر إذا كانت استجابة المرافق “رد فعل” بدلاً من كونها استباقية، مستشهداً بالأضرار الجسيمة التي خلفها إعصار “هيلين” والتي أجبرت الشركة على إعادة التفكير في استراتيجيات حماية الشبكة في المناطق التي كانت تعتبر سابقاً “حصينة” ضد الطقس.