الخوف للبيع.. من دجال السوق إلى عراف الشاشة

كريترنيوز /متابعات /نورا المرزوقي
ما أكثر الذين لا يزرعون شجرة، ثم يبيعون الناس ظلها. يأتون إلى القلوب حين تضيق، وإلى العقول حين ترتبك، وإلى الإنسان حين يخاف على صحته وأبنائه ورزقه ومستقبله. لا يحملون علماً صادقاً، ولا حلاً حقيقياً، ولا رحمة بمن أنهكه القلق. يحملون بضاعة واحدة اسمها الخوف، يلمّعونها، ويغلفونها، ثم يبيعونها للناس باسم النجاة.
كان الدجال في الأزمنة القديمة يجلس عند باب السوق، يقرأ الكف، أو يضرب الرمل، أو يبيع للناس تعويذة صغيرة تشبه الأمل. أما اليوم فقد صار له هاتف ذكي، وحساب موثق، وإعلان ممول، وربما صار له نموذج ذكاء اصطناعي يكتب له التنبؤات، ويرتب له الكلام، ويمنح خرافته ثوباً رقمياً يلمع في عين الخائف.
خوف رقمي
أخطر ما في الخوف أنه يجعل الإنسان أقل قدرة على السؤال، وأكثر استعداداً للتصديق. فإذا قيل له إن صحته في خطر ارتبك، وإذا قيل له إن ماله مهدد أسرع، وإذا قيل له إن مستقبله مكتوب في خريطة نجوم أو بطاقة افتراضية فتح قلبه قبل عقله. الخوف مفتاح قديم، وكل محتال يعرف أي باب يفتحه به.
ولذلك لم يعد الاحتيال قصة فردية صغيرة. وفقاً لتحالف مكافحة الاحتيال العالمي، تجاوزت خسائر الأفراد حول العالم من عمليات الاحتيال 1.03 تريليون دولار في عام واحد، ولا يسترد كامل ماله إلا نحو 4 في المئة من الضحايا. هذه الأرقام لا تقيس المال وحده، فهي تخفي خلفها بيوتاً قلقة، وثقة مكسورة، وأناساً يخجلون من الاعتراف بأنهم صدّقوا من عرف كيف يخيفهم.
وفي الولايات المتحدة وحدها، قالت لجنة التجارة الفيدرالية إن المستهلكين أبلغوا عن خسائر بلغت 12.5 مليار دولار بسبب الاحتيال في 2024، وأن نسبة من قالوا إنهم خسروا مالاً ارتفعت من 27 في المئة في 2023 إلى 38 في المئة في 2024. كما أشار مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن خسائر جرائم الإنترنت المبلغ عنها تجاوزت 16 مليار دولار في 2024، بزيادة 33 في المئة عن العام السابق.
خرافة ذكية
الجديد في سوق الخوف أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل من باب التنجيم وقراءة الطالع. وفقاً لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”، يتجه شباب في الصين إلى خدمات قراءة الحظ بالذكاء الاصطناعي لأنها أسرع وأرخص من العرافين التقليديين، وقد جمع وسم ديب سيك لقراءة الطالع أكثر من 55 مليون مشاهدة على منصة صينية شهيرة.
وتذكر الصحيفة أن بعض المستخدمين يدفعون 60 يواناً، أي نحو 9 دولارات، للحصول على تقرير كامل من تطبيق يقدم قراءات مولدة بالذكاء الاصطناعي، بينما دفع آخرون 90 يواناً مقابل حامل هاتف ذكي مزود بشريحة تفتح صفحة تعرض حظ المستخدم اليومي ونصائح عملية. هكذا لا تعود الخرافة صوتاً في غرفة مظلمة، وإنما شاشة مصقولة، ولغة مرتبة، ووعداً صغيراً باليقين في زمن يكثر فيه القلق.
وليست المشكلة في أن يسأل الإنسان عن معنى قلقه. المشكلة أن يتحول القلق إلى باب مفتوح لمن يبيعون اليقين المعلب. فالطالب يسأل عن الامتحان، والموظف يسأل عن الوظيفة، والفتاة تسأل عن الحب، والشاب يسأل عن رزقه. يأتيه الذكاء الاصطناعي بجواب لطيف، ثم يجره التطبيق إلى تقرير أطول، واشتراك أعمق، وخوف جديد يحتاج إلى قراءة جديدة.
وهم موثوق
الذكاء الاصطناعي يمنح الكذب قدرة لم تكن له. فهو يكتب بلغة واثقة، ويقلد الأصوات، ويصنع صوراً، ويخاطب كل إنسان بما يناسب ضعفه. وفقاً للإنتربول، أسهم استخدام الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة والعملات المشفرة في جعل حملات الاحتيال أكثر احترافاً وتعقيداً، وبتكلفة منخفضة، ومن غير حاجة إلى مهارات تقنية عالية.
وهذا ما يجعل تجارة الخوف اليوم أشد رهافة وخطورة. فالمحتال لا يحتاج أن يصرخ دائماً. يكفيه أن يرسل رسالة مكتوبة بعناية، أو صوتاً يشبه قريباً، أو رابطاً يبدو حكومياً، أو نصيحة صحية تحمل اسم خبير مزيف، أو قراءة طالع تزعم أنها مزج بين الحكمة القديمة والتحليل الذكي. الكذب القديم كان يطلب من الناس أن يصدقوه. الكذب الجديد يصنع ما يشبه الدليل.
سوق محلي
ولا تقف هذه الظاهرة عند بلد دون آخر. ففي الإمارات، أظهرت دراسة حالة الاحتيال لعام 2024 التي أعلنها مجلس الأمن السيبراني في الإمارات ومركز تريندز للبحوث والاستشارات، بالتعاون مع تحالف مكافحة الاحتيال العالمي وبيو كاتش، أن 56 في المئة من السكان يتلقون محاولة احتيال مرة واحدة على الأقل كل شهر، وأن 65 في المئة يثقون بقدرتهم على التعرف إلى الاحتيال، ومع ذلك يظل كثيرون معرضين للخسارة.
وتشير الدراسة نفسها إلى أن 59 في المئة من ضحايا الاحتيال شعروا بأثر عاطفي قوي بعد الخسارة، وأن أكثر أنواع الاحتيال شيوعاً كانت احتيالات التسوق وسرقة الهوية، تليها احتيالات الاستثمار. هذه الخسارة العاطفية هي ما لا يظهر في كشف الحساب. فالمال يخرج من الرصيد، ثم يبقى الخوف في الذاكرة.
ولهذا تتكرر تحذيرات الجهات المعنية من الرسائل المجهولة والروابط المزيفة وبرامج التحكم عن بعد والحسابات التي تطلب بيانات مصرفية أو رموز تحقق. منصة الجرائم الإلكترونية التابعة لشرطة دبي تنبه إلى أن الاحتيال الإلكتروني لا يبدأ دائماً باختراق جهاز، فقد يبدأ بكلمة طيبة، أو وعد سريع، أو رسالة تعرف كيف تلمس الحاجة.
بضاعة واحدة
من يبيع الوهم باسم الصحة، ومن يبيع الكراهية باسم الحماية، ومن يبيع العزلة باسم الوعي، ومن يبيع الطالع باسم الذكاء الاصطناعي، كلهم أبناء السوق نفسه، سوق النفوس المتعبة. بعضهم يستعمل عباءة الواعظ، وبعضهم يستعمل معطف الخبير، وبعضهم يستعمل شاشة التطبيق. أما البضاعة فهي واحدة: خوف الإنسان من ألا يعرف ما ينتظره.
وما أسهل أن تصنع الأكاذيب حين تكون مخلوطة بشيء من الحقيقة. فالقلق على المستقبل حقيقي، وصعوبة الحياة حقيقية، وضغط الدراسة والعمل حقيقي، وسرعة العالم حقيقية. يأتي المحتال فيأخذ هذه الحقائق، ثم يبني فوقها قصراً من الوهم. لا يخترع خوفاً من العدم، وإنما يجد خوفاً قائماً في الصدر، فيطعمه حتى يكبر.
ولذلك تراهم لا يحبون الطمأنينة، لأن الطمأنينة لا تشتري منهم شيئاً. لا يحبون الإنسان الواثق بعقله، لأنه لا ينقاد بسهولة. لا يحبون السؤال، لأن السؤال يفسد سوقهم. كلما طلبت دليلاً رفعوا الصوت، وكلما سألت عن المصدر استدعوا العاطفة، وكلما دعوت إلى التثبت جعلوا الهدوء ضعفاً.
عقل يقظ
لسنا مطالبين أن نعيش من غير خوف. الخوف جزء من الإنسان، وفيه نجاة أحياناً. نحن مطالبون ألا نؤجر خوفنا لمن يتكسب منه. أن نسأل قبل أن نصدق، وأن نهدأ قبل أن نشارك، وأن نميز بين من يحذرنا لأنه يريد سلامتنا، ومن يخيفنا لأنه يحتاج إلينا خائفين.
فالخوف إذا دخل القلب من غير عقل صار سيداً، وإذا صاحبه وعي صار جرساً. والفرق بين الجرس والسيد أن الأول ينبهك ثم يسكت، أما الثاني فيأمرك أن تركع.
أكثر ما يحتاجه الناس اليوم ليس وعداً كاذباً بأن العالم آمن تماماً، ولا خطاباً مرعباً بأن العالم هالك لا محالة. يحتاجون إلى صدق رحيم، صدق لا يستهين بمخاوفهم ولا يتاجر بها. يحتاجون إلى من يقول لهم نعم، هناك خطر، وهناك أيضاً دليل وعقل وطريق. لا إلى من يقول لهم خافوا أكثر ثم اتبعوني.
ومن يزرع الطمأنينة لا يحتاج إلى أن يكذب. ومن يبيع الخوف لا يستطيع أن يعيش إلا إذا بقي الناس خائفين. لذلك ينبغي أن تكون يقظتنا أوسع من خوفنا، وأن يكون سؤالنا أسبق من تصديقنا، وأن نتذكر كلما لمعت شاشة واعدة بالغيب أن المستقبل لا يقرأه تطبيق، وأن الكرامة لا تسلم نفسها لعراف رقمي، وأن الإنسان حين يسترد عقله يسترد شيئاً من حريته.